الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران(1): محاولة تطويع الأنظمة وإنهاء المقاومة / د. محمد حسن خليفة
لا تحتاج الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران إلى الكثير من الجهد لدى الباحثين والمتابعين لتلك الحرب، لإدراك حجم الأضرار الكارثية على الجمهورية الإسلامية في إيران، أو التداعيات الاقتصادية والأمنية والعسكرية والسياسية على البلد المحاصر والمستهدف منذ اليوم الأول لانتصار الثورة الإسلامية في إيران في 11 شباط من العام 1979، لمنع بناء الدولة الإسلامية على أنقاض نظام الشاه محمد رضا بهلوي، المرتكز لأكثر من ثلاثة عقود على الدعم الغربي، وتجلت محاولات تقويض بناء الدولة في الحرب الإيرانية – العراقية عام 1980، بحيث تم إنهاك الجمهورية الإسلامية في حربها التي امتدت لثماني سنوات، مع الدعم الواضح لنظام صدام حسين لإجهاض الثورة الإسلامية، ومنع تطوير نظامها السياسي، الذي كان يهدف إلى تقديم نموذج حكم إسلامي، يمكن أن يشكل بديلاً عن الصيغ الديمقراطية الشكلية التي طبعت معظم الأنظمة السياسية في العالم، ووأد تلك التجربة التي قادها الإمام الخميني، وبالرغم من انتهاء الحرب الطويلة والمكلفة، إلا أن الجمهورية الإسلامية خرجت من الحرب منهكة، وبدأت رحلة البناء والإعمار والتطوير للدولة وأنظمتها، وبذل الجهود للحفاظ على وحدة البلاد، وتأمين الاستقرار المستدام للنظام السياسي وأجهزته.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لقد نجحت الجمهورية الإسلامية في المحافظة على مكتسبات الثورة، وعملت على توسيع إنجازاتها لبناء قدراتها على مختلف الصعد، لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية، التي تتوسع في ظل الاستهداف المتواصل لمنع تحقيق أي نجاحات لهذا النموذج الديني في الحكم، ووقف تصدير الثورة أو نموذجها في المنطقة، بحيث عملت الدول الغربية وفي طليعتها الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل على تعبئة دول المنطقة وشعوبها وتخويفها من إيران، كدولة كبيرة تهدف إلى الهيمنة على منطقة الخليج، وزعزعة أنظمة الحكم الملكية فيها، وإثارة الحساسيات الطائفية والسياسية لتقويض قيام علاقات طبيعية بين إيران وجيرانها، ولم تنفع محاولات إيران للتركيز على دعم فلسطين كقضية مركزية للعرب والمسلمين، لاستقطاب الدول العربية، والعمل على تمتين العلاقات الطبيعية بين دول متجاورة لديها الكثير من القواسم والمصالح المشتركة.
لقد مرّت الجمهورية الإسلامية في إيران في الكثير من الظروف والتحديات، واستطاعت أن تحافظ على وحدتها واستقرارها عبر تطوير إمكانياتها، واستفادتها من ثرواتها ومواردها الطبيعية، وخصوصاً النفطية والغازية منها، التي تكستب بعداً استراتيجياً نتيجة الموقع الجغرافي لإيران، واشتراك حدودها مع الكثير من الدول، كما أن إطلالتها على مضيق هرمز يتوجها كحاجة ضرورية لتيسير الملاحة الدولية، كون المضيق مع المضائق الأخرى يشكل عصب الأمن الطاقوي للاقتصاد العالمي، وممراً مؤثراً في التجارة الدولية، ما يمكها من تمتين علاقاتها الاقتصادية الدولية، التي تحتاجها في بناء ودعم نظامها السياسي النموذجي، وتأمين متطلبات تأسيسها لشبكة علاقات آمنة لمواجهة ضغوط الدول الغربية، نتيجة تزايد قلقها بعد تاسيس الجمهورية الإسلامية في إيران، وإطاحة النظام المدعوم منها، الذي شكل محطة رئيسية في إبقاء منطقة الشرق الأوسط داخل العباءة الأميركية، ما يؤمن الحماية الدائمة للكيان الإسرائيلي الغاصب، وتدعيمه لمواجهة الأخطار المتأتية من الدول المحيطة به، وطمس القضية الفلسطينية، وتحجيمها والاستفراد بالشعب الفلسطيني.
لقد مارست الجمهورية الإسلامية الكثير من الأساليب الواقعية، لمواجهة الضغوط الخارجية، وتمكنت من المحافظة على إمكانياتها وتطوير اقتصادها، وشبك علاقات متنوعة، على الصعيدين الدولي والإقليمي، ومع الوقت، تمكنت من التحول إلى لاعب إقليمي، قادر على تأمين التوازن الكافي والرادع لمنع إسقاط نظامها، ما أعطاها هامشاً في الإقليم يعترف بتأثيرها وحجمها، بالإضافة إلى ما ذكرنا من ميزات جغرافية واستراتيجية تتيح لها حجز موقعاً إقليمياً مع القوى الأخرى المؤثرة.
وبهدف تفعيل دورها الإقليمي، قامت ببناء وتطوير برنامجاً نووياً سلمياً، يمكنها من تأمين احتياجاتها الاقتصادية في مجالات عديدة ترتبط بالطاقة، وشكل برنامجها النووي، حاجة اقتصادية ضرورية تضمنها الاتفاقيات الدولية في مجال الطاقة الذرية، وفي نفس الوقت أدخلها في نادي الدول النووية بطريقة غير مباشرة، بالرغم من التطمينات الإيرانية بعدم السعي لإنتاج قنبلة نووية، وأن برنامجها يقتصر على النشاطات النووية السلمية، وأنها تنطلق من فتوى شرعية تحرّم إنتاج مثل تلك القنبلة.
وبسبب البرنامج النووي الإيراني، بدأت الولايات المتحدة الأميركية في استهداف هذا البرنامج، ومحاولة مواجهته كونه يشكل تهديداً للأمن القومي الأميركي، وعنصراً مقلقاً للكيان الإسرائيلي، وركزت واشنطن في مواجهتها مع إيران على عدم التزامها بسلمية برنامجها، ومنع عمليات التفتيش للوكالة الدولية الطاقة الذرية، تلك الوكالة التي تقدم تقارير متناقضة بين التزام إيران بالبرنامج النووي السلمي، وسعيها لرفع نسبة تخصيب اليورانيوم الذي يقرّبها من إنتاج القنبلة النووية، ما يهدد الاستقرار في المنطقة، مع أن الوكالة في مناسبات عديدة أكدت تعاون إيران مع الوكالة، وأن هناك فرصاً كبيرة للإتفاق بشأن برنامجها النووي، وهذا ما حصل حين تم التوصل إلى توقيع الاتفاق بين إيران ومجموعة الدول الست (5 + 1) عام 2015، للحد من أنشطة طهران النووية مقابل رفع العقوبات الاقتصادية عنها، لكن هذا الاتفاق شهد إخفاقاً كبيراً بعد انسحاب الولايات المتحدة الأميركية منه عام 2018، في الولاية الأولى للرئيس الأميركي دونالد ترامب، وظل التوتر يحكم العلاقة الأميركية – الإيرانية، خصوصاً في ظل الضغوط المتواصلة من تل أبيب، لمنع إحياء الاتفاق حول برنامج إيران النووي، وبعد سنوات من التعثر، حملت الانتخابات الرئاسية الأميركية دونالد ترامب إلى ولاية ثانية بدأت في كانون الثاني عام 2025، وبدا واضحاً صعوبة إنجاز أي اتفاق مع إيران في عهده، وبالرغم من جولات التفاوض بين الجانبين، أيقن الجميع صعوبة التفاهم، بل ارتفعت مخاطر الاستهداف العسكري للمنشآت النووية في إيران، وكل التحليلات السياسية والاستراتيجية توصلت إلى صعوبة سماح واشنطن لإسرائيل لضرب تلك المنشآت، ما يهدد مصالح ووجود الولايات المتحدة الأميركية في المنطقة، لكن الضربة جاءت بين جولات التفاوض مع إيران حول برنامجها النووي، وقد بدأت إسرائيل هجوماً واسعاً على المنشآت النووية الرئيسية في إيران في 13 حزيران عام 2025، وقد دخل سلاح الجو الأميركي على خط الهجوم، بذريعة تعطيل سعي إيران لإنتاج قنبلة نووية، وقد استمرت الحرب بين إيران وإسرائيل 12 يوماً.
بعد الهجوم الإسرائيلي على إيران ودخول واشنطن في الحرب وإعلان نهايتها، تكرر المشهد بطريقة أشد خطورة، ففي ظل جولات التفاوض التي كانت تؤشر إلى قرب الاتفاق، حصل الهجوم الأميركي – الإسرائيلي على إيران في 28 شباط 2026، عبر استهداف النظام الإيراني واغتيال رأس النظام المرشد الأعلى السيد علي الخامنئي، مع قادة آخرين، في هدف واضح لإسقاط النظام، والانقضاض على قدرات إيران النووية والصواريخ الباليستية، تمهيداً لتصفية حلفاء إيران في المنطقة، وتحديداً حزب الله في لبنان، وإنهاء ظاهرة المقاومة التي تشكل تهديداً مباشراً للكيان الإسرائيلي، وعائقاً لتغيير وجه الشرق الأوسط، ومانعاً لقيام تحالفات أمنية وتطبيعية مع الدول العربية، أو تغيير التوازنات الداخلية في لبنان، التي بدأت ملامحها تظهر في تكوين السلطة الجديدة في لبنان، التي قدمت تطمينات داخلية لقيام حوار وطني لحل موضوع السلاح، بعد الاتفاق على استراتيجية دفاع وطني كما جاء في خطاب القسم والبيان الوزاري للحكومة الجديدة، لكن التصرفات السياسية كانت تخفي قلقاً داخلياً من الإجهاز على المقاومة، كقوة رادعة للعدو الإسرائيلي، الذي لم يتوقف عن اعتداءاته ومخططاته التوسعية، بعد عدوانه على لبنان في 23 أيلول عام 2024، بالرغم من اتفاق وقف إطلاق النار في 27 تشرين الثاني من العام نفسه، بحيث بقي العدو في خمس نقاط داخل لبنان، وقيامه بتهديم القرى عبر تفجيرات واسعة، جعلت السكن فيها أمراً في غاية الصعوبة، واستمرت في مواصلة اعتداءاتها اليومية، التي سقط خلال مئات الشهداء والجرحى.
ما إن بدأت الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، حتى استغلت إسرائيل قوتها العسكرية لتحذير لبنان بعدم دخول المقاومة في تلك الحرب، مستندة إلى تقارير استخباراتية بأن استهدافاتها بعد اتفاق وقف إطلاق النار، وهامش حركتها العسكرية، استطاعت أن تمنع المقاومة من إعادة بناء قدراتها، كما صعّب عمليات الترميم التي حاولت القيام بها، وهذا ما جعلها مطمئنة بأنه مع انتهاء الحرب على إيران أو خلالها، ستقوم بتوسيع سيطرتها على مناطق إضافية في الجنوب، وصولاً إلى عمق استراتيجي حتى نهر الليطاني، وتجاوز ذلك العمق إلى شمال الليطاني إذا كان الأمر ممكناً، لإبعاد القدرات الاستراتيجية الحالية والمستقبلية، التي تهدد مستوطنات الشمال، والقضاء على أي محاولة أو التفكير في اقتحام الحدود، والتأسيس لفرض الشروط الأمنية الإٍسرائيلية على لبنان، في ظل الرغبات الداخلية للتخلص من ثقل سلاح المقاومة، وإنهاء دوره العسكري وتأثيراته السياسية، خصوصاً مع تغيير النظام في سوريا، بحيث تتحقق الرغبة الإسرائيلية في تحقيق مشاريعها للهيمنة على المنطقة، بعد استعداد النظام الجديد في سوريا لعقد اتفاق أمني مع إسرائيل.
ونتيجة التهديدات الإسرائيلية بأن دخول المقاومة أثناء الحرب على إيران، سيقود إلى رد إسرائيلي مدمّر، وأن لبنان سيدفع أثماناً باهظة، يعيد تكرار المشهد في غزة، سارعت السلطات الرسمية إلى تقديم الوعود بعدم تدخل المقاومة، وتوالت التصريحات مع بداية الحرب على إيران، بأن هناك تطمينات من الولايات المتحدة الأميركية بأن لبنان سيكون في منأى عن الصراع، وأن إسرائيل لا ترغب في توسيع الحرب على لبنان، مع أنها لم تتوقف عن مواصلة استهدافاتها واعتداءاتها وخرقها لاتفاق وقف إطلاق النار، بذريعة منع المقاومة من إعادة بناء قدراتها، التي تم القضاء عليها في الحرب على لبنان عام 2024، بعد تدمير واسع للبنان واغتيال معظم قيادات المقاومة، وعلى رأسها السيد حسن نصرالله.
بعد حصول الهجوم على إيران، وبالرغم من التطمينات الأميركية بعدم توسيع الحرب على لبنان، قامت إسرائيل بحشد عسكري كبير على الحدود الشمالية مع لبنان، وصلت حسب التقديرات إلى حوالي مئة ألف جندي مع تعزيزات ضخمة، شكلت تهديداً واضحاً بأن خطط الحرب الإسرائيلية على لبنان جاهزة، وهي تنتظر اللحظة المناسبة حسب مجريات الحرب على إيران، وهي أدركت أن المقاومة في لحظة سياسية حرجة، تمنعها من الدخول للدفاع عن إيران، التي من الواضح أنها مستهدفة بشكل خطير، وأن واشنطن وتل أبيب لن يقبلا بوقف الحرب إلا بتحقيق الهدف الأساسي بإسقاط النظام، خصوصاً أن الضربة الأولى تؤكد الخطط الموضوعة لهذه الحرب، وبالرغم من ذلك لن تستطيع المقاومة الدخول للدفاع عن النظام الإيراني، لأن الساحة الداخلية ستحملها مسؤولية التدمير الواسع في لبنان، وأن دخول المقاومة يعطي فرصة للانقضاض عليها كونها فصيلاً إيرانياً، ينفذ كل ما تطلبه إيران، دون مراعاة المصلحة الوطنية، بالإضافة إلى عدم تبرير التدخل لمساندة إيران أمام بيئة المقاومة، كونها تعرضت على مدى خمسة عشر شهراً للاعتداءات الإسرائيلية، ولم تبادر إلى الرد على تلك الاعتداءات.
في اليوم الأول من الهجوم على إيران، وقفت المقاومة في حالة تأهب مصيرية، وهي تدرك مخاطر الدخول في الحرب، وهمجية العدو ورده الإجرامي، لتهجير أهالي الجنوب وزيادة الضغط على المقاومة، وإفقادها الدعم الشعبي لبيئتها الذي يشكل العنصر الأساسي في كل معركة تخوضها، لكنها في الوقت نفسه، تدرك مخططات العدو لإنهاء المقاومة، وأن الحرب على إيران الداعم الأساسي والوحيد لها، ستكون فرصة ذهبية لفرض واقع عسكري في لبنان، في لحظة ضعف المقاومة، وإحكام السيطرة الأمنية والسياسية، في ظل عجز السلطات الداخلية على مواجهتها.
فلماذا بادرت المقاومة في الهجوم على إسرائيل في ظل الحرب الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران؟
هذا ما ستبحثه المقالة التالية.
