بقلم:د. رنا يحيى صايغ – مدرّبة ومستشارة دولية وخبيرة تربوية
في وطنٍ ينهض كل صباحٍ على وقع القلق، وينام على احتمالاتٍ مفتوحة من الخوف، يقف التعليم في لبنان على حافة اختبارٍ وجوديّ: هل يستمرّ أم ينكسر؟
ففي زمن الحرب، لا تُقاس الخسارات بعدد الأبنية المهدّمة فحسب، بل بعدد الأحلام التي تتصدّع في عيون الأطفال، وبعدد الدفاتر التي أُغلقت قبل أن تكتمل صفحاتها.
لقد تغيّرت صورة المدرسة في أذهان طلابنا؛ لم تعد ذلك الفضاء الآمن الذي يحتضن الطفولة، بل أصبحت أحيانًا ذكرى مؤجلة، أو رفاهية صعبة المنال. في بعض المناطق اللبنانية، أُقفلت المدارس قسرًا، وفي مناطق أخرى تحوّلت إلى مراكز إيواء، بينما اضطرّ طلاب كثر إلى متابعة تعليمهم وسط انقطاع الكهرباء، وضعف الإنترنت، وصوت القلق الذي لا يغيب.
ومع ذلك، وسط هذا الركام، يولد مشهد آخر لا يقلّ قوة: معلمٌ يشرح درسه عبر هاتفه المحمول تحت ضوء خافت، طالبة تراجع دروسها على ضوء شمعة، وأمّ تحاول أن تكون مدرسةً لأبنائها رغم كل الأعباء. هذه ليست مشاهد عابرة، بل شهادات حيّة على أن التعليم في لبنان ليس مجرد نظام، بل إرادة حياة.
التحديات التربوية في زمن الحرب
من واقع الخبرة التربوية، يمكن تلخيص أبرز التحديات التي يواجهها التعليم في لبنان اليوم:
التشتت الذهني والنفسي لدى الطلاب: نتيجة الخوف المستمر، وفقدان الإحساس بالأمان.
الفجوة التعليمية المتزايدة: بين طلاب قادرين على المتابعة وآخرين محرومين من الحد الأدنى من الإمكانيات.
الإرهاق النفسي للمعلمين: الذين يؤدّون أدوارًا تعليمية ونفسية في آنٍ معًا.
ضعف الاستمرارية التعليمية: بسبب التعطيل المتكرر والظروف الطارئة.
نصائح كخبيرة تربوية لمواجهة هذا الواقع
في ظل هذا المشهد، لا بد من مقاربة تربوية مرنة وإنسانية، تتجاوز النمط التقليدي للتعليم، ومن أهم التوصيات:
إعادة تعريف الأولويات التعليمية:
ليس الهدف إنهاء المنهج بقدر ما هو الحفاظ على استمرارية التعلم. التركيز يجب أن يكون على المهارات الأساسية: القراءة، الكتابة، التفكير، والدعم النفسي.
دمج الدعم النفسي بالتعليم:
على المعلم أن يبدأ حصته بسؤال بسيط: “كيف تشعر اليوم؟”
هذه الجملة قد تكون مفتاحًا لإعادة الطالب إلى حالة التوازن.
اعتماد التعليم المرن:
استخدام وسائل بسيطة ومتاحة: تسجيلات صوتية، مجموعات واتساب، أوراق عمل مختصرة، بدلاً من الاعتماد الكلي على الإنترنت القوي أو المنصات المعقدة.
تقوية العلاقة مع الأهل:
في لبنان، أصبح الأهل شركاء أساسيين في العملية التعليمية.
توجيههم بأساليب بسيطة لمتابعة أبنائهم يخفف كثيرًا من الفجوة التعليمية.
تعزيز مهارات الحياة (Life Skills):
مثل الصبر، التكيف، إدارة المشاعر، والعمل الجماعي، فهي اليوم لا تقل أهمية عن أي مادة دراسية.
نماذج من الواقع اللبناني
في بعض المدارس في الجنوب، استمرّ التعليم عبر مجموعات صغيرة داخل المنازل، حيث تحوّلت غرفة الجلوس إلى صف دراسي.
في مناطق البقاع، اعتمد معلمون على إرسال دروس صوتية يومية بسبب ضعف الإنترنت، وحققوا تفاعلًا ملحوظًا من الطلاب.
في بيروت، أطلقت مبادرات شبابية لدعم الطلاب نفسيًا من خلال جلسات تفاعلية وأنشطة فنية للتفريغ الانفعالي.
هذه المبادرات، رغم بساطتها، تثبت أن التعليم لا يحتاج دائمًا إلى إمكانيات ضخمة، بل إلى قلوب مؤمنة برسالته.
خاتمة
في زمن الحرب، يصبح التعليم فعل مقاومة، ويغدو القلم موقفًا، والدفتر مساحة نجاة.
قد تُهدَم الجدران، لكن لا يجب أن تُهدَم العقول، وقد تنطفئ الكهرباء، لكن لا ينبغي أن تنطفئ الرغبة في التعلّم.
لبنان الذي علّم العالم الحرف، قادرٌ أن يحمي رسالته، ولو وسط العاصفة.
فالتعليم ليس ترفًا نؤجله، بل هو الأمل الذي نتمسّك به… كي لا نضيع.
