يعيش الطّالب اللّبنانيّ اليوم واقعّا مأزومًا على الأصعدة كافّة، فالبلاد منذ أكثر من ستّ سنوات تشهد أزمات متتابعة، لم تترك له مجالًا لالتقاط أنفاسه، إذ إنّ البلاد ترزح تحت واقع اقتصاديّ مأزوم منذ انطلاقة ثورة تشرين 2019، فقد تدهورت قيمة العملة الوطنيّة ما أدّى إلى تدنًّ كبير جدًّا في رواتب الأساتذة وصل إلى حدّ أنّه لا يكفي تنقّلات الأستاذ إلى مدرسته، ما تسبّب بهجرة أكاديميّة تركت فراغًا لم تُسدّ ثغرته في بعض الصّروح التّربويّة إلى اليوم، كما أنّ الواقع الاقتصاديّ المأزوم انعكس على تطوير البنى التّحتيّة للمدارس، وقد تعرّض الطّلّاب في عدد من المدارس إلى حوادث تهدّد سلامتهم بسبب تهالك المباني.
لم يكد اللّبنانيّ يتكيّف مع واقعه الاقتصاديّ الجديد، حتّى عاجلته كورونا واتّخذت وزارة التّربية في لبنان قرار التّعليم من بعد، في وقت لم يكن القطاع التّربويّ قد شهد إصلاحات ولو بسيطة، إذ به يقع تحت وطأة تجربة جديدة، وقد تخبّط الجميع في شباكها، ما أفقد التّعليم الكثير من الخصائص، ولعلّ أبرزها المساواة لأن الأدوات اللّازمة لنجاح هذه العمليّة لم تكن في متناول الكثير الطّلّاب لا سيّما بسبب الأزمة الاقتصاديّة، وبات الفاقد التّعليميّ شاسعًا يصعب تصويبه، فلا خطط واضحة، ولا تخطيط يسهم في تجاوز الأزمة.
لعلّ الأزمات المتتابعة أشعلت عند التّربويّين فتيل التّخطيط، ولكنّ الأمر بدا معاكسًا في حرب 2023، وعدوان أيلول، إذ إنّ الطّالب وجد نفسه مجدّدًا أمام عقد من نوع آخر، وانطلق التّعليم من بعد مجدّدًا من دون رؤى تربويّة واضحة، وجزء كبير من الطّلّاب لم يستطيعوا الالتحاق بصفوفهم الالكترونيّة، بسبب صعوبة العمل على جهاز الكترونيّ واحد، أو بسبب الكثافة والازدحام العائليّ في غرف التّهجير إن صحّ التّعبير، ومع انتهاء العدوان، وانطلاقة عام دراسيّ جديد كانت خطط التّعافي جاهزة، ولكنّ السّؤال الّذي يطرح نفسه هنا: هل استطاعت خطط التّعافي أن تؤمّن التّعافي؟ كيف جرى التّأكّد أنّ المتعلّمين كلّهم قد باتوا في أمان تعليميّ؟ هل يستطيع الطّالب الفاقد للأمان الحقيقيّ أن يتعافى تربويًّا؟ ما الّذي جرى تقديمه للطّلّاب الّذين يُلاحقون بالموت في كلّ لحظة؟
إنّ الإجابة على هذا السّؤال تأتي اليوم، ونحن نتعرّض لعدوان وحشيّ جديد، فرضته لعنة الجغرافيا، الجغرافيا الّتي تقول إنّ مساحة لبنان 10452 كلم2، أي أنّ أيّ عدوان على كيلومتر واحد هو عدوان على الوطن كلّه، ومع ذلك عاد التّعليم من بعد إلى الواجهة، أساتذة يعيشون تهجيرًا قسريًّا، وبعضهم صامدون ليس لأنّهم أبطال، بل لأنّهم آثروا الموت في بيوتهم على ذلّ النّزوح، وطلّاب من مختلف الفئات العمريّة لم يعرفوا طعم الهناء منذ سنين، منهم من فقد أحبّة أو بيتًا دافئًا، ومنهم من صار جريحًا، وكثيرون شهداء نالوا شهادة أرفع وأعلى، لذا يأتي السّؤال: ما نفع الأمان التّعليميّ وهم فاقدون أمانهم؟
عدنا إلى التّعليم من بعد بلا تخطيط، بلا أهداف واضحة وثابتة، وتحدّيات كثيرة تواجهنا، عدنا إلى التّخبّط، نعلّم طلّابنا مباشرة عبر المنصّات، ونسجّل التّعليم لمن لا يستطيع التّزامن معنا، ونسجّل عبر الواتساب لمن لا يستطيع الالتحاق الكترونيًّا، نحاول كأساتذة أن نمسح على قلوب أبنائنا الطّلّاب، في وطن مقسّم مهشّم من الدّاخل، قالبه هشّ إلى درجة أنّ أبناءه لا يتّفقون على مساحته إلّا عبر شاشات الإعلام، وحدهم أبناء الجنوب والبقاع يفتحون للنّار صدورهم، وحدهم يقاتلون كي لا تُسلب الأرض منهم، ووحدهم يُحرمون المساواة في العلم.
نعم! انطلق التّعليم من بعد وسنقاتل كأساتذة من أجل أبناء الجنوب والبقاع، لا نريدهم حفاة عراة، سنعطي ما أمكننا من غير منّة، ونحن والطّلّاب بين مطرقة الموت وسندان التّهجير، وبينهما الكثير من القهر والحزن، وبينهما بيوت دمّرت وأحلام تناثرت مع البارود، والكثير من الأمل بالأرض والغد، أمّا السيناريو الوحيد الّذي يمكن أن نتوقّعه هو أنّنا سنحمل جنوبنا على أكفّنا الملطّخة بالدّم كما الحبر، وأنّ علمكم هو طوق نجاة هذه الأرض الحبلى بالغضب، لا سيناريو آخر، طالت المدّة أم قصرت، الأمر سيّان أنتم ونحن كشجر الزّيتون المعمّر، لا يمكن أن ينسلخ، وإن قدّر له الموت فإنّ فروعه باقية تزيد تشبثًّا بأرضه.
