بعد مضي شهر على المواجهة المشتعلة بين إيران و اميركا وإسرائيل لم يعد الخليج الوسيط بين الأطراف المتنازعة بل أصبح في قلب النار و هو السيناريو الذي ترسمه اميركا للخليج على ما يبدو , فهذه الدول التي بنت استقرارها على أساس التحالفات وجدت نفسها في قلب المعركة لا على
الهامش وما كان تتجنبه خلال عقود تحقق خلال أسابيع بعد أن أصبحت القواعد العسكرية والمصالح الأمريكية أهداف لا أدوات ردع
سقوط لعبة التوازن :
بعد أن أتقنت دول الخليج لعبة التوازن لسنوات عديدة ، فبين التحالف الأمني الوطيد مع الولايات المتحدة والانفتاح الحذر و المدروس على إيران، لتفادي الدخول في أي صراع مباشر سقط هذا التوازن وسقطت قاعدة البقاء تحت المظلة الأمريكية ونُسفت هذه المعادلة ، فلم تعد جغرافية هذه الدول ضمانة ولا هذا الحياد حماية، ولم تعد الدبلوماسية كافية لردع الاستهداف، ف ايران لا تنظر اليوم إلى هذه الدول ككيان مستقل بل منصات تهديد لامنها . فأي أرض تحتوي قاعدة ما هي الا امتداد للنفوذ الاميركي فتصبح تلقائيا بنك اهداف وتتحول من منطقة “نفوذ” إلى “ساحة ضغط” تدير قراراتها أمريكا.
ثروة تحت النار:
بات من الواضح أن الخليج الذي يمتلك اكبر واهم مصادر الطاقة في العالم اصبح هشاً اكثر من أي وقت مضى فارتفاع النفط يقابله انهيار الأمان ، فكل المنشآت النفطية اليوم هي هدفاً مشروعاً وكل ميناء وكل ناقلة تحت التهديد حيث أصبحت هذه الثروة التي طالما تغنت بها دول الخليج هي نقطة ضعفها اليوم.
وهم الحماية : نهاية الضمانة الأميركية ؟
الحماية الامنية اليوم امام اختبارٍ قاسٍ ، و الرهان التاريخي على الولايات المتحدة بات موضع شكّ عميق ، بل انكشف على حقيقته ، فمن كان ضامن الاستقرار امس لم يعد سوى عنواناً لمخاطر لم يكونوا طرفاً في صنعها . فبدل ان يكون الوجود العسكري مرادفاً للحماية اصبح عبئاً يضع هذه الدول في مرمى النيران.
وهنا السؤال الذي لا يجب تجاهله :
هل سيبقى الخليج العربي تحت الحماية الأميركية… أم أن هذه الحماية نفسها باتت عاجزة حتى عن حماية ذاتها؟
الخليج امام خيارين لا ثالث لهما :
مرحلة جديدة لن تكون كسابقتها ، فاليوم نحن امام صياغة جديدة و اعادة تعريف لموقع الخليج في الصراع الحالي .
تتصاعد الضغوط ، تضيق الخيارات و يتغير شكل التوازنات القديمة ، و امام هذا التبدل يجد الخليج نفسه امام خيارين :
“اما” التمسك بالغطاء الاميركي و قبول واقع جديد تكون فيه هذه الدول على خط التماس مع اي تصعيد قادم ما يجعل استقرارهم رهن الصراعات ، “او” بناء توازنات جديدة تقوم على مبدأ الاحتواء لا المواجهة ، اي بقاءٌ مشروط ضمن حدود واضحة : وجود لا يشكّل تهديداً مباشراً لإيران،
ولا يُستخدم كنقطة انطلاق لأي عمل عسكري ضدها .
قد يكون هذا الخيار عادلاً، لكنه يضع دول الخليج أمام اختبار دقيق:
كيف يمكن طمأنة إيران دون خسارة الغطاء الأمني الأميركي؟
وكيف يمكن الحفاظ على التوازن بدون تنازلات ؟
ما بعد الحرب… لن يشبه ما قبلها
الخليج الذي سيخرج من هذه الحرب لن يكون نفسه ، سيكون اكثر حذراً ، قلقاً و فاقداً ثقة المعادلات القديمة ، فالاستقرار الذي بني لعقود أطاح به صاروخ واحد . هدد اقتصاده و سياحته و امنه . فلم يعد محرد نقطة عبور في هذه الصراعات بل بات جزءا لا يتجزأ منها!
في ظل هذه التغيرات يبقى السؤال الذي سيحدد شكل ما هو آتٍ :
هل ينجح الخليج في الخروج من قلب النار ، ام ان الاستقرار نفسه اصبح وهماً في هذه الحرب ؟
