اتفاق الطائف: قيمة دستورية شرعية للمقاومة (2) / د. محمد حسن خليفة
لقد حظيت وثيقة الوفاق الوطني أو ما تعرف عادة باتفاق الطائف، بوجهيها القانوني والدستوري، بدعم إقليمي ودولي، وقد صدّق المجلس النيابي اللبناني على هذا الاتفاق في جلسته المنعقدة بتاريخ 5/11/1989، من دون أي تحفظ، وهذا يعني أن الاتفاق بكامله يكتسب صفة قانونية ملزمة، وأن القسم الأكبر من هذا الاتفاق دخل في سياق التعديلات التي تناولت الدستور اللبناني اعتباراً من 21/9/1990، وبالتالي أصبح من جملة المواد الدستورية الملزمة، وأن الدستور اللبناني حرص في مقدمته على تكريس القوة الدستورية لهذا الاتفاق، مع الإِشارة بأن سائر خطابات القسم والبيانات الوزارية، تؤكد على ضرورة التمسك بهذا الاتفاق واحترام نصوصه، وتفعيل مواده الدستورية كافة، وهنا لا بد من استعراض ما جاء به اتفاق الطائف حول مقاومة الاحتلال (الفقرة ج من البند ثانياً)، عندما نص بأن يجري توحيد القوات المسلحة وتدريبها لتكون قادرة تحمل مسؤولياتها الوطنية في مواجهة العدوان الإسرائيلي، هذا من ناحية القوات المسلحة، أما من ناحية المقاومة، فقد أكد اتفاق الطائف (الفقرة ج من البند ثالثاً) على اتخاذ كافة الإجراءات اللازمة لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي، وبسط سيادة الدولة على جميع أراضيها، ونشر الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً، والعمل على تدعيم وجود قوات الطوارىء الدولية في الجنوب اللبناني، لتأمين الانسحاب الإسرائيلي ولإتاحة الفرصة لعودة الأمن والاستقرار إلى منطقة الحدود.
وجميع البيانات الوزارية بعد اتفاق الطائف أكدت على حق لبنان، في القيام بكافة الوسائل لتحرير جميع الأراضي اللبنانية من الاحتلال الإسرائيلي، وهذا ما أعطى شرعية دستورية وقانونية وسياسية للمقاومة، التي شاركت فيها أحزاب كثيرة، وعلى رأسها حركة أمل وحزب الله، وما يؤكد على شرعية المقاومة، حفظ التمثيل النيابي والوزاري لهاتين القوتين الأساسيتين للمقاومة، وكانت أعمال المقاومة تحصل تحت أنظار الجيش اللبناني، باعتبار المقاومة عملاً مكملاً لدوره الوطني في الحفاظ على وحدة الوطن وسيادته واستقراره.
فماذا تغير حتى تصبح نشاطات المقاومة في ظل الاحتلال خارجة عن القانون؟ وهل يمكن لقرارات حكومية أن تخالف الدستور ومواثيق الأمم المتحدة؟ وكيف للحكومة أن تنسف خطاب القسم وتخالف بيانها الوزاري، وكلاهما تضمنا الدعوة إلى مناقشة سياسة دفاعية متكاملة، كجزء من استراتيجية أمن وطني، على المستويات الدبلوماسية والاقتصادية والعسكرية، بما يمكّن الدولة اللبنانية، من إزالة الاحتلال الإسرائيلي ورد عدوانه عن كافة الأراضي اللبنانية؟ وهل يحق للحكومة الدعوة إلى المفاوضات المباشرة مع إسرائيل وجيشها يحتل مساحة من الأراضي اللبنانية؟ مع العلم أن إسرائيل طيلة الفترة الماضية لم تبادر إلى القيام بأي خطوة تجاه لبنان للانسحاب من الأراضي التي احتلتها، أو وقف اعتداءاتها تنفيذاً لاتفاق وقف إطلاق النار، وهذا ما أحرج الحكومة اللبنانية، التي سارعت إلى تأكيد التزامها بتنفيذ الاتفاق، ومندرجات القرار 1701، ووافقت على بنود الورقة الأميركية، بدون أي ضمانات من واشنطن، وأصدرت قرارات جريئة حول مسألة حصر السلاح، عندما قررت الموافقة على خطة قيادة الجيش لحصرية السلاح، وقيامه بمجهود كبير في جنوب الليطاني، وتوسيع انتشاره على الحدود اللبنانية، كما أن لبنان وافق على مشاركة شخصية مدنية في لجنة الميكانيزم، كما قامت الحكومة اللبنانية بتتويج تنازلاتها أمام العدو الإسرائيلي، الذي لا تنفع معه سوى المقاومة، وأصدرت قرارات متسرعة أثناء الحرب على لبنان، والتي سبقتها الحرب الأميركية – الإسرائيلية على إيران، وبعد دخول المقاومة في تلك الحرب، دفاعاً عن لبنان في ظل مواصلة العدو لعدوانه واحتلاله لنقاط داخل الأراضي اللبنانية، وعدم التزامه في اتفاق وقف إطلاق النار، الذي مضى على الموافقة عليه مدة خمسة عشر شهراً، بغض النظر عن الإشكاليات التي أحاطت بتوقيت دخول المقاومة بالحرب، دون الرجوع إلى الحكومة، التي لم تتمكن من الضغط لإرغام إسرائيل على الالتزام بالاتفاق، وبدلاً من مسارعة الحكومة إلى تحميل المسؤولية للعدو الإسرائيلي، نتيجة عدم التزامه بما تضمنه الاتفاق، قامت بجلد نفسها بتحميل مسؤولية الدمار والخسائر للمقاومة، وإحداث أزمة تهدد الوحدة الداخلية، ولا تأتي بأي نتيجة توقف الحرب، التي خطط العدو لها مسبقاً، وهذا ما ظهر في التدمير الواسع للعديد من المناطق اللبنانية، واستهداف المدنيين، وسقوط ما يقارب 1300 شهيد وحوالي 4000 جريح، بينهم أطفال ونساء ومسعفين وصحفيين، واستهداف 9 مستشفيات، والاعتداء على المراكز والآليات الاسعافية، وبلغ عدد شهداء القطاع الصحي 75 شهيداً، بالإضافة إلى شهداء من الجيش اللبناني، وكذلك استهداف مواقع قوات اليونيفيل وسقوط جنود وجرحى منها، ومحاولة الضغط عليها لمغادرتها، كون بعضها يشكل نقاطاً استراتيجية تساعد في السيطرة على مناطق أخرى، ما يؤكد بأن إسرائيل تشن حرباً مدمرة على لبنان، تتطلب المزيد من الحكمة الوطنية، والتضافر الرسمي والشعبي، لمواجهة العدو الذي لم يتوقف على مدى عقود من الزمن عن تدمير هذا البلد واحتلال أراضيه وضرب وحدته، لتحقيق أطماعه التاريخية بأرضه ومياهه وثرواته.
بالإضافة إلى كل ما ذكر، فقد أكد القانون الدولي أن المقاومة بكافة أشكالها هي حق مشروع للشعب الواقع تحت الاحتلال، وأن سلاحه يتمتع بالمشروعية القانونية، ولا يمكن نزعه، كما أن حق تقرير المصير ينشأ في حالات الهيمنة الاستعمارية والاحتلال الأجنبي، ويجوز لأولئك الذين يسعون إلى تقرير المصير استخدام القوة العسكرية، إذا لم تكن هناك طريقة أخرى لتحقيق أهدافهم، والبروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف عام 1977، اعتبر في مادته الأولى أن مقاومة الشعوب تحت الاحتلال الأجنبي وضد الأنظمة العنصرية نزاعات مسلحة، يتمتع الأفراد الذين يقومون بممارستها بوضع أسير الحرب في حالة وقوعهم أسرى، ما يعني أن مقاومتهم مشروعة، وقد أثبتت الممارسة العامة في تحقيق حق تقرير المصير على مر السنين، أنه لا تكاد توجد حالة لتقرير المصير تتحقق دون اللجوء إلى القوة والكفاح المسلح، كما أن حق المقاومة والدفاع عن النفس مقيّد بقواعد القانون الدولي الإنساني، بما في ذلك عدم استهداف المدنيين.
فهل التزمت إسرائيل يوماً بالمواثيق الدولية، وهل نشرت أي خارطة تظهر حدودها الدولية، بالرغم من تأسيس كيانها على اغتصاب أراضي فلسطين المحتلة، وهي تمارس على الدوام عدوانها وإجرامها وتدميرها سعياً للتوسع، وبذريعة تهديد كيانها، وضمان أمن مواطنيها، وهي تغطي حروبها الاستباقية بتكرار تلك الذرائع الواهية.
هناك ضرورة لمواجهة العدوان الإسرائيلي المدعوم من الولايات المتحدة الأميركية، والقيام بخطوات عملية تؤكد حق لبنان في الدفاع عن سيادته ووحدته، وتحرير الأراضي التي احتلها العدو، بعد توسيع عمليته البرية وتمركزه داخل بعض القرى اللبنانية الحدودية، واستكمال محاولاته لاحتلال المزيد من المناطق في لبنان، لفرض شروطه، التي لا يمكن مواجهتها في ظل الانقسام الداخلي، والتحريض الإعلامي لمؤسسات تعطي الذرائع للعدو باستهداف أماكن في لبنان، بالإضافة إلى الحملة المشبوهة لبعض الأحزاب اللبنانية، للضغط على المقاومة وبيئتها، ومحاولة تقويض حضورها السياسي، واستغلال الحرب لتعميق الشرخ الداخلي، والدفع لاتخاذ قرارات حكومية ووزارية، تسعى لزعزعة الاستقرار واستدراج اللبنانيين إلى فتنة داخلية، بحيث أنه من البديهي في ظل الحروب التي تتعرض لها الدول، أن يتسمك االجميع بالوحدة الوطنية، وتأجيل الخلافات والصراعات الداخلية إلى مرحلة لاحقة، تؤسس لحوار وطني جامع، يعيد انتظام مؤسسات الدولة، وتطبيق اتفاق الطائف، والإجماع على أن تشكل الدولة المرجعية الوحيدة، مع جيش قوي وقادر على حماية الوطن، ومواجهة العدو الإسرائيلي، الذي يشكل تهديداً دائماً للبنان، بالإضافة إلى تعزيز القدرات العسكرية للجيش ودعم الأجهزة الأمنية لحفظ الأمن والحدود، للتصدي لأي عدوان خارجي، لأن نجاح مثل هذا الحوار، يشكل إنجازاً استراتيجياً ووطنياً للعهد وللحكومة ولجميع اللبنانيين.
