د. محمد حسن سعد – رئيس معهد وورلد فيو للعلاقات الدولية والدبلوماسية وعضو الجمعية الأمريكية للعلوم السياسية
يا فخامة الرئيس، حين يُقال إن “لبنان لم يعد ساحة لحروب الآخرين”، فإن أول ما يجب أن يُستحضر، وأنت تعلم ذلك جيداً، ليس العبارة نفسها بل الأرض التي ما زالت تحمل آثار النار. فعيتا الشعب، وبنت جبيل، ومارون الراس، والناقورة، والطيبة، والخيام، وعيترون، وكل قرى الجنوب ليست مجرد أسماء تُذكر في نشرات الأخبار، بل بلدات جُبلت بدماء أبنائها الذين وقفوا لعقود طويلة يقومون بالدور الذي كان يفترض بالدولة أن تقوم به: الدفاع عن الأرض والعرض. هناك، يا فخامة الرئيس، لم تكن السيادة خطاباً يُلقى من منبر، بل كانت دماء تُسفك، وبيوت تُدمَّر، وأهلٌ يثبتون في أرضهم نيابةً عن دولةٍ غابت دائماً حين حضرت الأخطار. فمنذ أربعينيات القرن الماضي، مروراً بعقود الاعتداءات المتكررة، لم يعرف الجنوب هدنة حقيقية، بل عرف تاريخاً متصلاً من المواجهة، تاريخاً لم يُكتب بالحبر بل بالدم.
وحين تتحدث، يا فخامة الرئيس، عن وقف إطلاق النار والانتقال إلى اتفاق دائم، فإن الكلام في ظاهره مألوف، لكنه في جوهره يثير سؤالاً قديماً تعرفه أنت قبل غيرك: هل المطلوب وقف إطلاق نار مؤقت، أم وقف دائم للاعتداءات التي لم تتوقف أصلاً؟ لأن وقف النار في الجنوب لا يكون ذا معنى إذا بقي مجرد هدنة زمنية تُستأنف بعدها الاعتداءات بأسماء جديدة وذرائع مختلفة. وربط ذلك بشعار حفظ السيادة ليس طرحاً جديداً، بل لازمة تكررت على ألسنة عهود وحكومات كثيرة، رفعت شعار السيادة في العلن، لكنها في الواقع سحبت الجيش في محطات كثيرة، وتركت الجنوبيين لمصيرهم، يواجهون وحدهم آلة العدوان بينما كانت الدولة تكتفي بالبيانات.
أما في مسألة توجيه الشكر، يا فخامة الرئيس، فإن الدبلوماسية ليست مجاملة، بل اعتراف بالوقائع. وإذا كان وقف إطلاق النار قد ارتبط عملياً بفتح مضيق هرمز وإعادة حركة الملاحة فيه، فإن تسمية الأمور بأسمائها تصبح ضرورة لا خياراً. كان حريّاً بك، يا فخامة الرئيس، أن تذكر إيران بالاسم ضمن الدول التي أسهمت في تثبيت التهدئة، لأن الوقائع الميدانية والسياسية ربطت بين وقف إطلاق النار وبين فتح الممرات البحرية، وهو أمر لم يكن خافياً حتى على الخطاب الأمريكي نفسه، حيث جاءت الإشارات واضحة في تصريحات دونالد ترامب التي ربطت بشكل صريح بين التهدئة وبين ضمان استقرار حركة الملاحة. إن تجاهل هذا الواقع، يا فخامة الرئيس، لا يبدو حياداً، بل يقترب من الجحود السياسي، أو على الأقل من قراءة انتقائية للوقائع.
وليس من العيب، يا فخامة الرئيس، بل من باب الشهامة والمروءة، ومن مقتضيات موقعك كرئيس لكل اللبنانيين لا لفريق دون آخر، أن تتوجه بكلمة شكر واضحة وصريحة إلى أولئك اللبنانيين الذين هبّوا من كل حدبٍ وصوب للدفاع عن الجنوب. إلى أولئك الذين جاؤوا من قرى البقاع، ومن أحياء بيروت، ومن بلدات الشمال، ومن قرى الجنوب نفسها، من كل قريةٍ وبلدةٍ ومدينةٍ لبنانية، فوقفوا صفاً واحداً دفاعاً عن كرامة هذا البلد وعرضه، وصوناً لاستقلاله ووحدته وسيادته. لأن هؤلاء، يا فخامة الرئيس، لم يدافعوا عن منطقةٍ بعينها، بل عن لبنان كله، ولم يحملوا عبء المواجهة نيابة عن أنفسهم فقط، بل نيابة عن وطنٍ بأكمله، كان ينتظر منهم أن يثبتوا حيث تراجع كثيرون، وأن يصمدوا حيث اهتزت مواقف أخرى. وإن الاعتراف بفضلهم ليس منّةً ولا مجاملة، بل واجب وطني وأخلاقي، لأن الأوطان لا تُصان فقط بقرارات السياسة، بل بتضحيات أبنائها الذين يضعون دماءهم في ميزان كرامتها.
وحين تقول، يا فخامة الرئيس، إن الدولة اللبنانية هي الإطار الأقوى والأكثر قدرة على حماية اللبنانيين، فإن هذا القول يبدو جميلاً في الخطاب، لكنه يصطدم بسؤال جوهري لا يمكن تجاهله: ما معنى الدولة القوية؟ الدولة القوية، يا فخامة الرئيس، ليست تلك التي ترفع شعار القوة فقط، بل أيضاً التي تُحسن ترتيب أولوياتها. الدولة القادرة هي التي تعزز عناصر قوتها قبل أن تذهب إلى طاولة تفاوض محفوفة بالمخاطر، لا أن تبدأ بنزع عناصر القوة قبل تثبيت معادلة حماية حقيقية. كان الأجدى بك، يا فخامة الرئيس، قبل الذهاب إلى أي مسار تفاوضي مع عدو ما زالت نيرانه حاضرة، أن تُطلق حواراً وطنياً شفافاً وصريحاً حول الاستراتيجية الدفاعية، وأن تفتح نقاشاً جدياً مع القوى التي تحمل عبء المواجهة على الأرض، مع المقاومة يا فخامة الرئيس التي تتحاشى ذكرها بالاسم. فبدل أن يبدأ المسار بالتفاوض مع الخارج، كان الأولى بك، يا فخامة الرئيس، أن تبدأ بالحوار مع الداخل، مع الشريك اللبناني، مع القوى التي تمسك بخطوط المواجهة، للوصول إلى استراتيجية دفاعية أو استراتيجية أمن وطني واضحة تُبنى عليها أي خطوة لاحقة.
وفي دعوة القوى السياسية إلى دعم مؤسسات الدولة، يا فخامة الرئيس، لا يمكن تجاهل حقيقة أن كثيراً من هذه القوى نفسها ساهمت في إضعاف الدولة بدل تحصينها. فالدولة لم تتآكل من فراغ، بل من ممارسات سياسية متراكمة، من ارتهانات خارجية، ومن صراعات داخلية حوّلت المؤسسات إلى ساحات نفوذ بدل أن تكون أدوات حماية وطنية. وفي عز الحروب والأزمات، يا فخامة الرئيس، بدل أن تتجه بعض القوى نحو تحصين الوحدة الداخلية، حملت معاولها وبدأت الهدم في بنية الدولة نفسها، فكيف يُطلب اليوم دعم المؤسسات ممن كانوا جزءاً من إضعافها؟
أما أخطر ما في الكلمة، يا فخامة الرئيس، فهو الحديث عن التفاوض وكأنه خيار سيادي بحت، بينما الواقع يقول إن التفاوض لا يُقاس بنواياه بل بظروفه. التفاوض في ذاته ليس عيباً، لكنّه يصبح محل شك عميق عندما يجري مع كيان الإبادة الجماعية، وعندما يجري على وقع دماء لم تجف بعد، ومع طرفٍ ما زالت آثاره التدميرية حاضرة في المدن القرى والبلدات، وبرعاية دولة تُعرف تاريخياً بانحيازها الواضح لكيان الإبادة الجماعية. فالتفاوض مع عدو ما زال يمارس اعتداءاته، وتحت رعاية وسيط لا يخفي انحيازه، ليس خطوة سهلة يمكن تسويقها كشعار سيادي، بل مغامرة سياسية تحتاج إلى ضمانات حقيقية لا إلى عبارات دبلوماسية.
أما الحديث، يا فخامة الرئيس، عن مسألة فصل المسارات التي يجري الترويج لها، فهو طرح يثير الكثير من علامات الاستفهام، لأن فيه من الخفّة السياسية ما لا يمكن تجاهله. فلبنان، يا فخامة الرئيس، لم يكن يوماً جزيرة معزولة عن محيطه، بل هو جزء لا يتجزأ من هذه المنطقة، من قضاياها، من ملفاتها، ومن تحدياتها الكبرى. لبنان جزء من جغرافيا متشابكة، ومن تاريخ مترابط، ومن واقع سياسي لا يمكن عزله بقرار أو بشعار. ولذلك، فإن الحديث عن فصل لبنان عن محيطه الإقليمي، أو التعامل مع أزماته وكأنها منفصلة عن سياق المنطقة، يبدو طرحاً قاصراً عن فهم تعقيدات هذا الشرق وتشابكاته، وعن إدراك أن ما يجري في أي جزء من هذه المنطقة ينعكس بالضرورة على أجزائها الأخرى. فالمسارات في هذه المنطقة، يا فخامة الرئيس، لا تُفصل بقرار إداري، ولا تُعزل بإرادة خطابية، بل تتشابك بحكم الجغرافيا والسياسة والتاريخ، ومن يتجاهل هذه الحقيقة، يغامر ببناء سياسات على أوهام، لا على وقائع.
وفي المحصلة، يا فخامة الرئيس، فإن المشكلة ليست في الكلمات التي قيلت، بل في الفجوة بين الخطاب والواقع. لأن السيادة لا تُبنى بالعبارات، بل بالقدرة على حماية الأرض والناس. والدولة لا تصبح قوية بإعلان قوتها، بل بإثباتها حين يُختبر وجودها. أما الجنوب، الذي ما زال حتى اليوم يحمل آثار النار والركام، فهو الشاهد الأصدق على أن الحقيقة لا تُكتب في البيانات، بل تُكتب على الأرض، حيث يعرف الناس جيداً من دافع عنهم، ومن غاب حين كانت الحاجة إليه أكبر.
ومن هنا، يا فخامة الرئيس، يبقى السؤال الذي لا يمكن القفز فوقه أو تجاهله: من الذي وضع نفسه في مواضع الشبهات والتهم؟ ومن الذي فتح الباب أمام هذا القدر من الشك والريبة في نوايا السلطة وخياراتها؟ إن كثيرين اليوم، وعن حق، باتوا يقولون إن أخطر ما يمكن أن يقع فيه أي رئيس هو أن يظهر وكأنه رئيسٌ لفريق دون آخر، أو رئيسٌ لطرفٍ دون سائر أبناء وطنه. ولذلك، يا فخامة الرئيس، إن المسؤولية الوطنية والتاريخية تفرض عليك قبل أي شيء آخر أن تتوقف مليّاً عند هذه اللحظة، وأن تثبت بالفعل لا بالقول أنك رئيسٌ لكل اللبنانيين، لا رئيس الآخرين في لبنان، لأن الرئاسة في لحظات الخطر لا تُقاس بالمواقف المعلنة، بل بقدرتها على جمع الناس حول دولة واحدة، لا دفعهم إلى مزيد من الانقسام والشك.
