كتب محمد غزالة:
نكتبُ عن الجنوب لأنَّ الحروف تخجلُ أن تصطفَّ لغيره، ولأنَّ التراب هناك لا يُقاس بالمساحة، بل بعدد السجدات وقطرات الدم التي حوّلت “الطيري” و”الخيام” و”بنت جبيل” إلى مزاراتٍ للعزة. نتباهى بكل قطرة دم، لأنها ليست مجرد سائلٍ حيوي، بل هي “صكّ ملكية” أزليّ لهذه الأرض، وعلامةٌ فارقة بين من يزرعُ الروح ليحصدَ التحرير، ومن يزرعُ الوهم ليحصدَ الهزيمة.
لماذا الجنوب؟
لأنه الخزان الذي لم ينضب يوماً. هو الذي أرسل أبناءه إلى أصقاع الأرض، لم يذهبوا لاجئين بل طامحين، فبنوا القارات وعادوا ليغرسوا تعب الغربة عمرانًا في قراهم. هو جنوب الإمام موسى الصدر والبطرك خريش والسيد حسن نصرالله ونبيه بري و حسن كامل الصباح الذي أضاء العالم بعقله، ورمال رمال الذي فكّك شيفرات الفيزياء؛ هو إثباتٌ للعالم أنَّ هذه الأرض لا تُنبتُ المقاتلين فحسب، بل تُنبتُ العباقرة الذين لولا رصاص الغدر وظلم التاريخ لكانوا منارةً للبشرية جمعاء. وهو جنوب المساجد والكنائس من صيدا إلى صور والنبطية ومرجعيون وحاصبيا والعرقوب وجزين .
المظلومية والدمار: حقدُ العاجز
يعاني الجنوب ويُدمر لأنَّ “إسرائيل” لا تحاربُ حجرًا، بل تحاربُ “نموذجًا”. تقتلُ وتخربُ وتنسفُ الأحياء السكنية في محاولة يائسة لمحو ذاكرة الانتصارات. هي تدرك أنَّ الجنوب هو الذي كسر أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”، وهو الذي حمى القضية الفلسطينية حين عزَّ المحامي، وهو الذي وقف سدًا منيعًا بوجه الأطماع. الدمار الإسرائيلي ليس “قوة”، بل هو تعبيرٌ عن “فشلٍ ميداني”؛ فالذي يعجزُ عن مواجهة الرجال في الميدان، يلجأُ إلى نسف المنازل والمساجد وتجريف الطرقات.
التناقض الصارخ: قتلٌ باليمين وحديثٌ عن “السلام” باليسار!
هنا يكمن التناقض الممجوج؛ كيف ليدٍ تقطرُ دماً من أشلاء الأطفال والصحافيين في “عيتا” و”الخيام” أن تلوّح بالسلام؟ إنَّ “السلام” الذي تريده إسرائيل هو “سلام المقابر” والاستسلام، هو هدوءُ الضحية تحت سكين الجلاد. لكنها تناست أنَّ الجنوب الذي هزمها في عامي 2000 و2006، لا يعرف لغة الانكسار. من قدم أغلى التضحيات ليبقى، لا يمكن أن يساوم على شبرٍ من أرضه مقابل وعودٍ واهية.
سيبقى الجنوب هو “البوصلة”. سيبقى صامدًا، ليس لأنه يحب الموت، بل لأنه يعشق الحياة بكرامة. ستزول الغارات، وسترحل الجرافات، وسيعود الجنوبيون يبنون ما تهدم بـ “قرش المغترب” و”عرق الفلاح”، وسيبقى الحجر شاهداً أنَّ هنا مرَّ احتلالٌ غاشم.. وبقيَ شعبٌ لا يركع إلا للخالق.
الجنوب ليس مجرد جهة.. الجنوب هو كرامة الأمة.
