كتب المحامي الدكتور وسام صعب :
في ظاهر المشهد، تبدو الليرة اللبنانية وكأنها استعادت قدراً من الاستقرار، مع تمركز سعر الصرف منذ عام 2023 حول مستويات تقارب 89 ألف ليرة للدولار. إلا أنّ هذا الثبات لا يعكس توازناً اقتصادياً فعلياً، بقدر ما يُخفي بنية نقدية هشّة قائمة على إدارة الأزمة لا معالجتها.
فقد نجح مصرف لبنان، عبر سياسات تقييد الكتلة النقدية والتدخل المنهجي في سوق القطع، في ضبط التقلبات الحادة. كما ساهم توسّع الاقتصاد النقدي (Cash Economy)، المدعوم بتحويلات المغتربين، في تأمين حدّ أدنى من السيولة بالدولار داخل السوق. غير أنّ هذه العوامل تبقى ظرفية الطابع، أقرب إلى أدوات احتواء منها إلى ركائز استقرار مستدام.
في المقابل، تستمر الاختلالات البنيوية في تقويض أي أفق لتعافٍ حقيقي. فالقطاع المصرفي لا يزال يرزح تحت فجوة مالية ضخمة تُقدّر بعشرات مليارات الدولارات، من دون إقرار خطة واضحة لإعادة الهيكلة. ويواكب ذلك غياب إصلاحات مالية وتشريعية جدية، في ظل اقتصاد غير منتج، عاجز عن توليد تدفقات نقدية ذاتية، ما يُبقي البلاد رهينة مصادر خارجية غير مستقرة.
إلى جانب ذلك، يفرض الواقع الجيوسياسي والأمني ضغوطاً إضافية، إذ تؤدي التوترات إلى تآكل الثقة وتقييد حركة الرساميل، فضلاً عن إضعاف قطاعات أساسية كالسياحة والاستثمار. وفي ظل هذا المناخ، يصبح الاستقرار النقدي عرضة لأي صدمة مفاجئة، سواء كانت سياسية أو مالية أو أمنية.
وعليه، لا يمكن توصيف وضع الليرة اليوم كاستقرار بالمعنى الاقتصادي الدقيق، بل هو أقرب إلى “توازن قلق” تحكمه القدرة المحدودة للسلطات النقدية على الضبط، لا متانة بنية الاقتصاد. فمع أي تراجع في الاحتياطات، أو اهتزاز في الثقة، قد تنزلق الأمور سريعاً نحو موجة تدهور جديدة قد تكون أسوأ من سابقاتها.
وخلاصة القول، إن الليرة اللبنانية لم تخرج من دائرة الخطر، بل انتقلت من الانهيار السريع إلى حالة من الجمود الهشّ. ويبقى غياب الإصلاح البنيوي العامل الحاسم الذي قد يحوّل هذا الاستقرار من فرصة إنقاذ إلى مجرّد تأجيل لانهيار محتمل.
