إلى فخامة الرئيس: الأوطان التي تخاف التضحية تتحول لخرائط مستباحة../ بقلم المهندس علي حيدر خليفة
حين يتكلم رئيس الجمهورية عن الدم وكأنه خطأ مطلق وعن التضحية وكأنها لعنة يجب أن تمحى من ذاكرة الشعوب يصبح من حق هذا الوطن ومن حق مواطنيه أن يسألوا :
أي أوطان بقيت حية بلا تضحيات ؟
أي أرض حفظت بالصلوات وبدبلوماسية قوة لبنان في ضعفه وحدها من دون أن يقف على حدودها رجال يضعون قلوبهم بين فكي الموت كي لا تسقط الراية ؟
أن يقول القائد السابق للجيش إن الرب أراد لنا ألا نضحي بأولادنا ففي العبارة شيء من الرحمة نعم لكن فيها أيضا شيء من القسوة على ذاكرة الذين سقطوا ليبقى لبنان واقفا …
كأن دماء الشهداء صارت فائض ألم لا معنى خلاص …
وكأن الأمهات اللواتي زففن أبناءهن إلى التراب كن يقدمن أبناءهن عبثا لا دفاعا عن بيت وكرامة وحدود …
الجيش الذي قاده العماد جوزاف عون لم يكن مؤسسة من ورق بل كان أبناء الجنوب والبقاع والشمال وبيروت والجبل والمتنين وكسروان وجبيل يقفون في خنادقه كتفا إلى كتف يحملون أرواحهم على أكفهم لأنهم أدركوا أن الأوطان لا تصان بالنوايا وحدها …
الجندي الذي يسهر في البرد على التلال لا يفعل ذلك لأنه يعشق الموت بل لأنه يعرف أن خلفه أطفالا يجب أن يناموا بأمان ….
التضحية ليست عبادة للدم بل آخر اللغات حين تعجز السياسة عن حماية الأرض ….
ما هكذا تقرأ قصة إبراهيم …
لم يكن الدرس أن نهرب من الفداء بل أن نفهم قدسيته حين يصبح الدفاع عن الحق واجبا ….
ففي كل تاريخ البشرية لم تكتب سيادة وطن بالحبر وحده بل اختلطت بدم رجال عرفوا أن الحياة نفسها تحتاج أحيانا إلى من يحرسها بالروح …
لبنان لم يحفظ يوما بالحياد العاطفي أمام الخطر …
لبنان القوي حفظ برجال كانت أجسادهم الجسور الأخيرة بين الناس والانهيار …
وحين تختزل التضحيات بخطاب يساوي بين هدر الدم وبين الفداء من أجل الأرض فإننا نكون أمام محاولة ناعمة لنزع المعنى عن البطولة نفسها …
نحن لا نمجد الموت كما تدعون بل نمجد الذين جعلوا موتهم بابا لحياة الآخرين …
لا نقدس الحرب بل نقدس من وقفوا في وجه الإبادة والاحتلال والعدوان كي يبقى لهذا الوطن اسم وحدود وكرامة ….
فالأوطان التي تخاف من فكرة التضحية يا فخامة الرئيس تتحول سريعا إلى خرائط مستباحة على طاولات الأمم وعندها لا تجد وطنا كي تحكمه …
كان أجدر بالكلام أن يقول للأجيال :
اصنعوا الحياة نعم …
لكن تذكروا أن للحياة حراسا وأن الأرز لم يرتفع نحو السماء إلا لأن جذوره شربت تعب الرجال ودماءهم وصبرهم عبر السنين ….
