كتب الدكتور المهندس أحمد يونس:
المدينة التي وُلدت بين أزقتها، وكبرت على رائحة بحرها، وحفظت حجارة شوارعها القديمة كما يحفظ الإنسان ملامح أمه. مدينتي صور اليوم ينهال عليها حمم تطارد تاريخها بالنار ،اليوم أشعر وكأن جزءاً من ذاكرتي الشخصية يُنتزع بالقوة من قلبي. فصور بالنسبة إلينا ليست مجرد مدينة نسكن فيها، بل روح نعيش بها، انها حكاية آلاف السنين ما زالت تنبض في كل زاوية من زواياها.
هذه المدينة التي يسمونها عروسة المتوسط، ومملكة الأرجوان، ولؤلؤة التاريخ، ليست مجرد أبنية ومواقع أثرية صامتة، بل مدينة حيّة تحمل ذاكرة العالم في حجارتها. هنا مشى الفينيقيون نحو البحر ليعلّموا البشرية معنى التجارة والملاحة، ومن هنا خرجت الأبجدية الأولى لتُنير حضارات الأرض. هنا بُنيت الأسوار العظيمة التي وقفت في وجه الغزاة، وهنا ما زالت الأعمدة الرومانية وميدان سباق عربات الخيل والمدافن والفسيفساء التي تهتز بفعل القصف البربري لعدو مجرم تشهد على حضارة كانت يوماً منارة للمتوسط كله.
واليوم، بينما تتساقط الصواريخ قرب المواقع الأثرية وفي قلب المدينة، أشعر بأنهم لا يقصفون حجارة فقط، بل يقصفون طفولتنا وذكرياتنا وهويتنا ووجداننا الجماعي. المباني التي تُدمّر ليست مجرد إسمنت، بل جزء من المشهد الذي عشنا فيه وكبرنا معه، والشوارع التي تُمحى هي شوارع حملت ضحكاتنا وخطوات أهلنا وأصوات البحر التي لا تفارق المدينة منذ آلاف السنين،
ان صور ليست ملكاً لأهلها فقط، بل ملك للإنسانية كلها،عندما تُصاب هذه المدينة، فإن العالم بأسره يخسر جزءاً من ذاكرته الحضارية، فالتاريخ حين يُحرق لا يمكن استعادته، والحجارة الأثرية حين تنهار لا تعود كما كانت أبداً، هناك مدن يمكن إعادة بنائها، أما المدن التي تحمل عبق التاريخ فلا يمكن تعويضها إذا ضاعت.
أناشد العالم المتحضر، والمؤسسات الثقافية والإنسانية، وكل من يؤمن بأن الحضارة ليست مجرد كلمات في الكتب، أن يتحرك قبل فوات الأوان. أنقذوا صور… أنقذوا المدينة التي قاومت الغزاة والزلازل والحروب عبر آلاف السنين، وما زالت حتى اللحظة تحاول أن تبقى واقفة رغم كل الوجع. أنقذوا مدينة علّمت البحر معنى السفر، وعلّمت العالم معنى الحضارة، قبل أن تتحول هذه الذاكرة العظيمة إلى مجرد صور في كتب التاريخ.
