الميدان مازال مفتوحا وخطوط الاشتباك ما زالت متحركة
كتب العميد الركن الدكتور بهاء حسن حلاَْل
في الحروب الحديثة، لا تقتصر المعركة على الميدان العسكري وحده، بل تمتد إلى الوعي الجمعي والرأي العام، حيث تتحول الحرب النفسية إلى عنصر موازٍ للقوة النارية، بل أحياناً أكثر تأثيراً منها. وهذا ما نشهده اليوم في الداخل اللبناني، مع تصاعد خطاب تهويلي يسعى إلى تصوير المشهد الجنوبي وكأنه انهيار كامل ومتسارع للواقع الميداني، في محاولة لخلق بيئة نفسية قائمة على الإحباط والاستسلام قبل الوصول إلى الحسم العسكري الفعلي.
هذا النوع من الخطاب يندرج ضمن ما يسميه الباحث الأميركي Joseph Nye بـ”إدارة الإدراك”، أي التأثير على كيفية فهم الناس للوقائع أكثر من الوقائع نفسها. فبعض الأصوات الداخلية تتعامل مع التطورات الميدانية بمنطق يوحي بأن الجنوب فقد بالكامل، وأن المقاومة خرجت من المعادلة، وأن القوات الإسرائيلية تتحرك بحرية مطلقة من دون أي تكلفة أو اعتراض، وصولاً إلى رسم سيناريوات تتحدث عن تمدد إسرائيلي نحو الزهراني وربما ما بعده، وكأن المسألة مجرد مسار زمني قصير لا أكثر.
غير أن القراءة العملانية البحتة للميدان لا تدعم هذا التوصيف الحاد والمطلق. نعم، ثمة تقدم إسرائيلي في بعض المحاور، وخصوصاً في القطاع الشرقي، لكن طبيعة هذا التقدم وحدوده تختلف كثيراً عن صورة “الانهيار الشامل” التي يجري الترويج لها. فالتحركات الإسرائيلية باتجاه بلدة زوطر الشرقية لا تزال مرتبطة بمعارك مفتوحة تدور على تخوم البلدة ومحاورها المتصلة بنهر الليطاني، ما يعني أن السيطرة المستقرة لم تتحقق حتى الآن.
وتكشف الوقائع أن الجيش الإسرائيلي يركز ثقله العملياتي في هذا المحور تحديداً، نظراً لأهميته الجغرافية المرتبطة بالإشراف على الممرات المؤدية إلى النبطية ومحيطها. ويمكن تفسير هذا التركيز وفق نظريات “السيطرة على العقد الجغرافية” التي تحدث عنها المنظر العسكري Carl von Clausewitz، حيث تُعتبر التلال والممرات الحيوية نقاطاً حاكمة قادرة على منح أفضلية نارية واستخبارية في أي معركة ممتدة.
لكن في المقابل، لا تزال المواجهات المستمرة تعني أن البيئة القتالية لم تتحول إلى بيئة آمنة ومستقرة للقوات المهاجمة. فإسرائيل، رغم كثافة القوة المستخدمة، لم تتمكن حتى اللحظة من تحويل التقدم التكتيكي إلى سيطرة عملياتية دائمة، وهو فارق أساسي في العلوم العسكرية بين “الاختراق” و”التثبيت”.
أما في القطاع الأوسط، فتشير المعطيات إلى استمرار حالة المراوحة الميدانية، خصوصاً بعد تعثر محاولات فرض السيطرة على بلدة حداثا نتيجة الاشتباكات والمقاومة العنيفة. وهذا يؤكد أن القدرة على الاحتفاظ بالأرض لا تزال تواجه تحديات كبيرة، رغم التفوق الجوي والتقني الإسرائيلي.
وفي القطاع الغربي، برزت مؤشرات معاكسة تماماً للسردية التهويلية، بعدما اضطرت القوات الإسرائيلية إلى التراجع من بعض المواقع في بلدة البياضة باتجاه شمع، إثر عمليات وهجمات مضادة نفذتها المقاومة، ما يعكس استمرار قابلية الميدان للتبدل وعدم استقرار خطوط السيطرة.
ومن هنا، فإن الحديث عن سيطرة إسرائيلية ثابتة وشاملة يبقى مبالغاً فيه وفق المعايير العسكرية الدقيقة. إذ إن العديد من المناطق الواقعة حتى خلف ما يسمى “الخط الأصفر” لا تزال تشهد عمليات استهداف وهجمات متواصلة، سواء ضد مواقع إسرائيلية داخل الأراضي اللبنانية أو ضد أهداف تقع خلف الحدود، مع تسجيل إصابات وخسائر في الأفراد والآليات.
في الأدبيات العسكرية الحديثة، يميز الباحثون بين “الاحتلال الميداني” و”الهيمنة المستقرة”. فالأول قد يتحقق عبر التقدم الناري والاختراق المؤقت، أما الثاني فيحتاج إلى قدرة مستدامة على الإمساك بالأرض وتأمينها ومنع استنزاف القوات الموجودة فيها. وحتى اللحظة، لا يبدو أن إسرائيل وصلت إلى هذه المرحلة في معظم المحاور التي تشهد اشتباكات مفتوحة.
لذلك، فإن تضخيم المشهد وتحويله إلى صورة انهيارية شاملة لا يخدم القراءة الواقعية للميدان، بل يساهم في إنتاج حالة نفسية سلبية داخل المجتمع اللبناني، وهو ما يتقاطع عملياً مع أهداف الحرب النفسية الهادفة إلى إضعاف البيئة الداخلية وإحداث شرخ بين الميدان والجمهور.
إن تقييم الوقائع ينبغي أن يستند إلى المعايير العملياتية الفعلية لا إلى الانفعالات أو السرديات الدعائية. فالميدان ما زال مفتوحاً، وخطوط الاشتباك لا تزال متحركة، والقدرة على المبادرة والرد لم تُحسم بصورة نهائية.
