كتبت صابرين محمودي :
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
تُعد قلعة الشقيف في أرنون واحدة من أبرز المعالم التاريخية والأثرية في جنوب لبنان، ومن أهم القلاع العسكرية التي شهدتها بلاد الشام عبر القرون. شُيّدت تحصيناتها الأولى على يد الرومان فوق صخرة شاهقة ترتفع نحو 700 متر عن سطح البحر، قبل أن يوسّع الصليبيون بناءها ويشيّدوا معظم أبنيتها الحالية، لتصبح واحدة من أهم القلاع الحصينة في المنطقة.
عرفت القلعة في المراجع التاريخية باسم “قلعة بوفور” أو “الحصن الجميل”، نظراً لموقعها الفريد المطل على نهر الليطاني وسهل مرجعيون ومنطقة النبطية وأجزاء واسعة من الجنوب اللبناني. وقد جعلها هذا الموقع الاستثنائي محوراً للمعارك والتحصينات العسكرية عبر التاريخ.
شهدت القلعة مراحل تاريخية متعاقبة، فسقطت بيد القائد صلاح الدين الأيوبي بعد حصار طويل، قبل أن يستعيدها الصليبيون لفترة من الزمن ويتخذها فرسان المعبد مقراً لهم، إلى أن سيطر عليها المماليك بقيادة الظاهر بيبرس عام 1268م.

ولا تقتصر أهمية قلعة الشقيف على بعدها التاريخي والأثري فحسب، بل تمتد إلى بعدها الاستراتيجي والعسكري. فالموقع يمنح من يسيطر عليه قدرة واسعة على الرصد والإشراف على مناطق يحمر الشقيف، وزوطر الشرقية، وزوطر الغربية، وكفرتبنيت، والنبطية الفوقا، وصولاً إلى محاور الطيبة ودير سريان والقنطرة، ما يجعلها عقدة ميدانية بالغة الأهمية في الجنوب اللبناني.
وتتميز القلعة بطبيعة دفاعية فريدة، إذ تضم أنفاقاً تاريخية تمتد نحو نهر الليطاني، تعود إلى العصور الصليبية، الأمر الذي أضفى عليها قيمة عسكرية إضافية على مر العصور. وقد شكلت هذه الخصائص سبباً رئيسياً لتحوّلها إلى نقطة ارتكاز لكل القوى التي تعاقبت على المنطقة، من الإمبراطوريات القديمة وصولاً إلى الاحتلال الإسرائيلي الذي حرص قبل انسحابه من جنوب لبنان عام 2000 على السيطرة على المرتفعات والتلال المحيطة بها.
وفي عام 2024، حازت القلعة صفة “الحماية المعززة” بموجب البروتوكول الثاني الملحق باتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية أثناء النزاعات المسلحة، نظراً لقيمتها التاريخية والحضارية الاستثنائية، ما يعكس أهميتها ليس للبنان فحسب، بل للتراث الإنساني العالمي بأسره.

وتبقى قلعة الشقيف معلماً وطنياً يخص جميع اللبنانيين، ومقصداً للزوار والسياح من داخل لبنان وخارجه، لما تختزنه من تاريخ عريق وإطلالة استثنائية على الجنوب.
ورغم ما شهدته القلعة من احتلالات وصراعات عبر التاريخ، فإن صفحاتها تؤكد حقيقة ثابتة: لم يبقَ محتل على أرض الجنوب. فكما استعادت الأجيال السابقة هذه القلعة بعد مراحل طويلة من السيطرة الأجنبية، يبقى الإيمان راسخاً لدى أبناء الجنوب بأن كل أرض محتلة ستعود إلى أهلها، وأن قلعة الشقيف ستبقى شاهدة على تاريخ من الصمود وأن ما بعد الصمود هو النهوض وإعادة البناء وترسيخ الحضور على هذه الأرض التي حفظت ذاكرتها عبر الأجيال.
