مساء الثلاثاء 2 حزيران/يونيو 2026 (اليوم 95 للحرب)
تفكيك الفجوة المعلنة:
ندخل مساء اليوم الخامس والتسعين للحرب على وقع أضخم عملية تضليل دبلوماسي يقودها البيت الأبيض لتأمين غطاء للحشود العسكرية الأمريكية المتصاعدة في الخليج وبحر العرب وعُمان. إن إعلان دونالد ترامب المفاجئ عن “تجميد” قصف الضاحية الجنوبية لبيروت وإشاعته لمناخ “التهدئة المؤقتة” (الضاحية مقابل الشمال)، ليس تراجعاً استراتيجياً، بل هو مناورة مكشوفة لـ “هندسة العزل” وفصل الساحات.
هناك فجوة هائلة بين ما يعلنه ترامب وما يجري تطبيقه على الأرض؛ فالتخريجة الترامبية التي تتبنى صياغة أمنية تزعم تحييد بيروت والضاحية، تمنح في المقابل جيش الاحتلال الإسرائيلي ضوءاً أخضر أمريكياً صريحاً للاستمرار في حرب الإبادة والتهجير جنوب نهر الليطاني، وتثبيت ما يسمى بـ “الشريط الأمني الموسع”، وهو ما رفضته قيادة المقاومة والرئيس نبيه بري بالمطلق بتمسكهم بمعادلة: “لا وقف للنار إلا إذا كان تاما وشاملا ويشمل كافة الأراضي اللبنانية كتمهيد لانسحاب إسرائيلي كامل دون قيد أو شرط”.
إليكم التفكيك العملياتي والسياسي لمسارات هذا اليوم المفصلي:
أولاً: كواليس الخداع الترامبي والمسرح البحري المستنفر
خلف الابتسامات الدبلوماسية المزعومة، تكشف حركة الملاحة والاستخبارات عن مشهد مغاير تماماً:
1. مسرحية “توبيخ نتنياهو”: تسريب وسائل الإعلام العبرية والأمريكية (أكسيوس والقناة 12) حول غضب ترامب وتوبيخه الحاد لنتنياهو ووصفه بـ “المجنون” لمنعه من قصف الضاحية، هو جزء من سيناريو لـ “الابتزاز المشترك”. الاتصالات السرية تكشف أن ترامب وافق مسبقاً على “أوامر الإخلاء” لتهديد طهران، لكنه ذُعر عندما أعلنت إيران رسمياً تعليق المفاوضات والتهديد بضرب شمال فلسطين، ما دفعه لفرملة نتنياهو مؤقتاً لحماية أساطيله ومفاوضاته حول هرمز، وليس حباً في سيادة لبنان.
2. الاستنفار الجوي والبحري فوق الخليج وعُمان: بالتزامن مع تسريب “واشنطن بوست” عن رفع القوات الأمريكية في عدة قارات لمستويات الجاهزية القصوى تحسباً لتجدد المواجهة مع إيران، رصدت الرادارات تحليقاً استراتيجياً مكثفاً اليوم؛ حيث تعمل طائرتان من طراز (KC-135R) فوق مياه الخليج، بالتوازي مع زوج آخر من صهاريج الوقود يحلق فوق بحر عمان إلى جانب طائرة الدورية البحرية المقاتلة التابعة للبحرية الأمريكية (P-8A Poseidon). هذا التحشيد فوق المضائق والممرات المائية يثبت أن واشنطن تتوقع انكماشاً نيرانياً أو رداً باليستياً إيرانياً حتمياً؛ كون طهران (عبر قيادة مقر خاتم الأنبياء) حسمت أمرها علناً: “استئناف القتال أمر لا مفر منه، ولن نستسلم حتى تعبر واشنطن وتل أبيب عن ندم كامل”.
3. موقف روسيا الفاصل في فينا: وجّه مندوب روسيا الدولي ميخائيل أوليانوف صفعة لتعديلات ترامب المتشددة بشأن إخراج مخزون اليورانيوم المخصب، مؤكداً أن نقل اليورانيوم للخارج “ليس ضرورياً بالضرورة ويتطلب موافقة طهران، وهناك خيار تخفيفه داخلياً”، ما يمنع واشنطن من فرض شروط أحادية قانونياً.
ثانياً: مفاوضات واشنطن الفاشلة وشروط “عام 1978”
أظهرت كواليس جلسات البنتاغون المستمرة لليوم الثاني فجوة سحيقة بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية الوسيط الأمريكي:
المقترح الأمريكي ذو الدفعتين: كشفت المعطيات أن ماركو روبيو عرض أولاً معادلة (الضاحية مقابل الشمال دون سقف زمني)، فلما رُفضت من الرئيس بري والمقاومة، عاد وقدم صيغة مرحلية (تجميد الضاحية كمقدمة لوقف نار شامل خلال 48 أو 72 ساعة)، لكن الوفد اللبناني متمسك بـ “الوقف الشامل الفوري”.
أوهام “تفكيك حزب الله” والشريط العازل: كشفت قناة “كان” العبرية ومصادر “سكاي نيوز” عن وقاحة الطروحات الإسرائيلية؛ حيث يطالب الاحتلال بموافقة أمريكية على بقاء قواته البرية داخل “الشريط الأمني الموسع” الممتد حالياً بين الليطاني والزهراني، مع الاحتفاظ بـ “حرية الحركة العسكرية والخرق” تحت ذريعة مواجهة التهديدات. الخطة الأمريكية الخيالية المعروضة تتضمن تولي قوات أمريكية تدريب الجيش اللبناني لتنفيذ مهمة “تفكيك نفوذ حزب الله”، وهو ما يريده نتنياهو لإعادة عقارب الساعة إلى اتفاقات بائدة (عام 1978)، وهو ما لن يمر ميدانياً ويدفع نحو استمرار الحرب كخيار وحيد.
ثالثاً: الميدان يفرض المعادلات.. ثورة “مسيرات الليل” واختراق الدروع
بينما تتبادل الوفود الأوراق في واشنطن، يدشن مجاهدو المقاومة فصلاً تكتيكياً مرعباً حوّل تصريحات نتنياهو حول الشمال إلى مادة للسخرية:
1. معادلة “اختراق دروع النمير والميركافا”: فجّرت صحيفة “معاريف” العبرية قلقاً عميقاً داخل المؤسسة الأمنية، معترفة بأن حزب الله نجح في تطوير قدرات محلقاته الانقضاضية لتصبح قادرة على “اختراق دروع آلية نامير الفائقة ودبابات المدرعة ميركافا”، مؤكدة نجاح المسيرات في اختراق دروع النمير مرتين هذا الأسبوع في أطراف يحمر وزوطر، موقعة جميع من بداخلها بين قتيل وجريح.
2. “مطحنة حداثا” وسحق النسق المتقدم: سحقت المقاومة ليل أمس وفجر اليوم محاولة تقدم واسعة لقوات النخبة الإسرائيلية (الفرقة 91 و36) في قطاع حداثا (منطقة البالوع، القناطر، والملعب). البيانات 1 و2 وثقت تدمير دبابة ميركافا ثالثة بالصواريخ المباشرة، وإمطار التجمعات بصليات صاروخية وقذائف مدفعية أجبرت القوة على الانسحاب التام نحو رشاف تحت ضربات العبوات الناسفة المفجرة بالآليات المنسحبة.
3. محارق المدرعات الموثقة: امتدت عمليات اصطياد المحلقات (أبابيل) اليوم نحو الأطراف الجنوبية الشرقية لبلدة زوطر الشرقية الحيوية؛ حيث وثقت البيانات 3 و4 و5 و6 تدمير 3 آليات مدرعة من نوع “نميرا” ودبابة ميركافا إضافية بعد استهدافهم بمحلقات انقضاضية شوهدت وهي تحترق بالكامل، مما أسفر باعتراف العدو عن إصابة 8 جنود وضباط جرى إجلاؤهم بالمروحيات العسكرية نحو المستشفيات، ليرتفع إجمالي محارق الميركافا الموثقة إلى 286 دبابة.
4. تأسيس منظومة “العمى والتعلم” العبرية: اعتراف إذاعة جيش الاحتلال بأن حزب الله يتفوق حالياً بـ “خطوة تكنولوجية” في سباق التعلم، واضطرار الفرقة 91 لإنشاء منظومة طائرات مسيرة مستعجلة للتحقيق في كيفية عمل مسيرات الحزب المزودة بكاميرات الرؤية الليلية والحرارية، يُثبتان أن المقاومة باتت تملك التفوق الجوي النقطوي في سماء الجنوب (البيان 7 و8 استهدفا تجمعات العدو بمحيط قلعة الشقيف المحتلة رمزياً بقذائف المدفعية والصواريخ لمنع استقراره).
5. التفكك السياسي الداخلي بالكيان: ترافق العجز العملياتي مع فضائح داخلية؛ حيث استقال رئيس قسم العمليات بجيش الاحتلال العميد يسرائيل شومر إثر تحقيقات بأخلاقيات المهنة، فيما هاجم غانتس وآيزنكوت نتنياهو بعد انعقاد اجتماع حكومة “خاص بالشمال” لم يحضره سوى 3 وزراء، واصفين الحكومة بأنها “فقدت ضميرها وبوصلتها وشمالها بالكامل”.
الخلاصة والتوقع الاستراتيجي (مرحلة التآكل والحذر):
نحن نمر بمرحلة “تجريبية واختبار ناري” ممتد لعدة أيام لترتيبات تفاوضية تحت النار. التراجع الأمريكي من طرح “تجريد السلاح كشرط مسبق” إلى “التهدئة الموقوتة بـ 48 ساعة” جاء نتيجة مباشرة للتهديد الاستراتيجي الإيراني الصلب بقطع خطوط التفاوض وضرب الشمال، مقترناً بالأداء الأسطوري للمقاومين في الميدان.
المسار المتوقع حتماً: لن يكون هناك وقف لإطلاق النار طالما تُصر إسرائيل (بموافقة أمريكية مبطنة) على الاحتفاظ بوجود بري أو شريط عازل جنوب الليطاني أو المطالبة بحرية الحركة. الجولة القادمة في واشنطن ستكون حاسمة لتحديد النوايا. يتوجب على البيئة الحاضنة البقاء في أعلى درجات الحذر والجهوزية المعنوية؛ فالعدو الصهيوني غادر ومأزوم، وبما أن مسيرات المقاومة الليلية المحدثة وقبضاتها تواصل كسر دروع “النمير والميركافا”، فإن الميدان وحده، وليس كلام ترامب الغامض عبر تروث سوشال، هو من سيجبر الأمريكي والإسرائيلي على الرضوخ للشروط اللبنانية الكاملة بالانسحاب الشامل والذليل من كل شبر من أرض جبل عامل.
