كيف يوثق صندوق النقد و”ألفاريز ومارسال” اختطاف الدولة اللبنانية
بقلم د. عماد عكوش
لم يعد الانهيار المالي في لبنان مجرد أزمة اقتصادية كلاسيكية يمكن معالجتها بأدوات السياسة النقدية والمالية المعتادة، بل تحول إلى دراسة حالة عالمية في “الاقتصاد السياسي للفساد”. إن القراءة المتقاطعة لتقارير صندوق النقد الدولي (IMF) والتدقيق الجنائي الذي أجرته شركة “ألفاريز ومارسال” (Alvarez & Marsal) في حسابات مصرف لبنان، تكشف حقيقة واحدة لا لبس فيها وهي ان الانهيار لم يكن خطأً إدارياً، بل كان عملية نهب ممنهجة، والإصلاح اليوم معطل عمداً من قبل نفس المنظومة التي هندست هذا النهب.
ان التشريح الرقمي والوثائقي لكيفية عمل هذا النظام، ولماذا تُستعصى المحاسبة في دولة تحمي فيها السياسة لصوص المال العام يمكن ان نوجزها في عدة نقاط منها :
صرخة صندوق النقد.. “النظام السياسي يحمي نفسه”
في تقاريره المتتالية وآخرها مشاورات المادة الرابعة والبيانات التحذيرية المستمرة حتى اليوم ، تخلى صندوق النقد الدولي عن لغته الدبلوماسية المعهودة عند الحديث عن لبنان. لم يعد الصندوق يتحدث عن “صعوبات تقنية”، بل أشار بوضوح إلى “غياب الإرادة السياسية” واستيلاء “أصحاب المصالح المتجذرة” (Vested Interests) على مقدرات الدولة.
أبرز ما وثقه صندوق النقد:
1. عرقلة القوانين الإصلاحية: يرفض النظام السياسي إقرار قوانين حاسمة مثل “إعادة هيكلة المصارف” و”السرية المصرفية” بصيغتها الفعالة، لأن إقرارها يعني تلقائياً تحديد المسؤوليات، وكشف أسماء المرتكبين، وإجبار المساهمين وكبار النافذين على تحمل الخسائر.
2. توزيع الخسائر غير العادل: أشار الصندوق إلى أن التأخير المتعمد في الإصلاحات أدى إلى تحمل صغار المودعين والمواطنين العاديين العبء الأكبر من الخسائر (عبر التضخم وتعدد أسعار الصرف والتسديد الاستقطاعي “Haircut”)، بينما سُمح للنافذين بتهريب أموالهم.
3. استحالة استرداد الأموال: النظام السياسي اللبناني بشكله الحالي، والمبني على المحاصصة الطائفية، صُمم ليمنع المساءلة. القضاء مكبل سياسياً، مما يجعل من المستحيل مصادرة أموال اللصوص أو ملاحقة المرتكبين محلياً دون غطاء دولي.
تقرير “ألفاريز ومارسال”.. مسرح الجريمة بالأرقام والأسماء
ما تحدث عنه صندوق النقد الدولي بشكل ماكرو-اقتصادي، جاء تقرير التدقيق الجنائي لشركة “ألفاريز ومارسال” (الصادر في اب 2023) ليوثقه بالأرقام ، والتواريخ ، والأسماء داخل مصرف لبنان المركزي . لقد كشف التقرير المكون من 332 صفحة كيف تم تسخير المؤسسة لخدمة شبكة مصالح سياسية ومصرفية.
أبرز فضائح التقرير الموثقة:
فجوة الـ 72 مليار دولار وتزوير الميزانيات: أكد التقرير أن الحاكم السابق رياض سلامة استخدم “سياسات محاسبية غير تقليدية” لإخفاء الخسائر التي تفاقمت على مر السنين. بدل إعلان الخسائر، تم تسجيلها كأصول وهمية (Seigniorage)، لتبلغ الفجوة المالية في مصرف لبنان رقماً مرعباً تخطى الـ 72 مليار دولار بنهاية 2020.
عمولات غير مشروعة (شركة فوري): وثق التقرير فضيحة شركة “فوري أسوشيتس” (Forry Associates Ltd) التي يملكها رجا سلامة (شقيق الحاكم). بين عامي 2015 و2020، تم تحويل حوالي 333 مليون دولار كـ”عمولات” غير مبررة للشركة من حسابات في مصرف لبنان، وهي أموال تم اقتطاعها من صفقات بيع وشراء سندات الخزينة وشهادات الإيداع، دون أن تقدم الشركة أي خدمات فعلية تستحق هذه المبالغ.
الهندسات المالية كأداة لشراء الولاءات: كشف التقرير أن الهندسات المالية (خاصة في عام 2016 وما بعده) كبدت مصرف لبنان حوالي 115 تريليون ليرة لبنانية. هذه المبالغ تم تحويلها كأرباح خيالية للمصارف التجارية وكبار مساهميها (الذين يتقاطعون بشكل مباشر مع الطبقة السياسية). كانت هذه الهندسات بمثابة “رشوة مقنعة” لتأجيل الانهيار وشراء صمت النظامين السياسي والمصرفي.
حسابات الرعاية ودعم السياسيين (Sponsorships): أظهر التقرير أن مصرف لبنان دفع ملايين الدولارات تحت بند “الرعاية والمساهمات” لمنظمات، ومهرجانات، ووسائل إعلام، وحتى شخصيات مقربة من السلطة السياسية. كان هذا المال يُستخدم لبناء شبكة حماية إعلامية واجتماعية للحاكم والمنظومة.
التقاطع المميت.. لماذا يمنع النظام الإصلاح؟
عند ربط تقرير صندوق النقد بتقرير “ألفاريز ومارسال” ، تتضح الصورة الكاملة عن السبب الذي يمنع لبنان من توقيع اتفاق نهائي مع صندوق النقد ، وهو أن شروط الصندوق تتطلب استخدام مخرجات تقرير “ألفاريز” لإنزال العقاب بالمرتكبين. اما المصاديق لما ورد اعلاه فيتضح من خلال :
السرية المصرفية كدرع واقٍ حيث يستميت البرلمان اللبناني في تفريغ قانون رفع السرية المصرفية من مضمونه. لماذا؟ لأن رفع السرية بأثر رجعي سيكشف من هي الشخصيات السياسية (PEP) التي حولت مليارات الدولارات إلى الخارج بعد ثورة تشرين اول 2019 ، وسيكشف المستفيدين من عمولات الهندسات المالية المذكورة في التدقيق الجنائي.
إفشال التدقيق الجنائي فعلى الرغم من صدور تقرير “ألفاريز”، تم تجميد المفاعيل القضائية له في الداخل اللبناني. القضاء اللبناني عاجز عن محاكمة الأسماء الكبيرة التي وردت فيه، لأن التعيينات القضائية تخضع لنفس المنظومة التي نهبت المال. المحاسبة الوحيدة التي تحققت كانت عبر القضاء الأوروبي (فرنسا، ألمانيا، سويسرا) الذي حجز أصولاً تتجاوز الـ 120 مليون يورو تابعة لسلامة ومعاونيه.
في الخلاصة لا يمكن مطالبة اللص بأن يسنّ قانوناً لاسترجاع المسروقات منه . هذا هو واقع الحال في لبنان ومن هنا أرى أن الحل في لبنان لم يعد تقنياً. الخطط الاقتصادية جاهزة منذ عام 2020 (خطة لازارد وغيرها)، وكلها تشير إلى ضرورة شطب رساميل المصارف الفاشلة وحماية المودعين قدر الإمكان. لكن العقبة هي الاقتصاد السياسي ، والمخرج للبنان لا يكون الا بمسارين متوازيين:
1. تفعيل العقوبات الدولية والملاحقات الخارجية : استمرار القضاء الأوروبي في تتبع وتجميد الأصول المنهوبة العائدة للسياسيين والمصرفيين (Asset Recovery)، لأن الآليات المحلية معطلة.
2. استقلالية القضاء اللبناني: وهو شرط أساسي ويجب أن يفرضه المجتمع الدولي كأولوية تسبق أي تمويل. بدون قضاء مستقل، سيتم إهدار أي قروض جديدة من صندوق النقد بنفس الآليات التي سُربت بها أموال المودعين قديماً.
إن تقارير صندوق النقد و”ألفاريز ومارسال” ليست مجرد حبر على ورق، بل هي لوائح اتهام دولية ورسمية، تنتظر نظاماً قضائياً يمتلك الشجاعة لتحويلها إلى مذكرات توقيف ومصادرة أموال، لتعود حقوق اللبنانيين التي بُددت في أروقة الفساد.
