نغم ربيع ــ المدن
مرّت أكثر من 48 ساعة على فقدان الاتصال بأربعة شبان لبنانيين فُقد أثرهم أثناء توجههم إلى قرى جنوبية حدودية بعد إعلان وقف إطلاق النار. وحتى الآن، لا تملك عائلات هادي الرقة، جواد بزي، محمد علي حسن، وعلي موسى قشمر أية معلومات مؤكدة عن مصيرهم، وسط ترجيحات غير رسمية تفيد بأنهم محتجزون لدى الجيش الإسرائيلي.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
وبحسب روايات عائلاتهم، انطلق الشبان صباح الإثنين من الضاحية الجنوبية لبيروت على متن دراجات نارية باتجاه الجنوب، في رحلة تشبه عشرات الرحلات التي شهدتها الطرقات بعد الإعلان عن وقف النار. تنقلوا بين عدد من البلدات والقرى الحدودية، قبل أن ينقطع الاتصال بأربعة منهم بشكل كامل. اختفى هادي الرقة وجواد بزي في محيط وادي الحجير، فيما فُقد أثر محمد علي حسن وعلي موسى قشمر في محيط بيت ياحون.
منذ تلك اللحظة، بدأت رحلة بحث طويلة ومضنية. اتصالات بالأجهزة الأمنية والجيش والدفاع المدني والمستشفيات، وسؤال لكل من يمكن أن يمتلك معلومة أو شاهداً أو أثراً. لكن حتى اللحظة، لا جواب حاسماً، ولا رواية رسمية تشرح ما الذي حدث للشبان الأربعة.
“رح إنزل أعمل كم حركة وبرجع”
تروي حوراء علامة، شقيقة هادي الرقة، لـ”المدن” تفاصيل الساعات الأخيرة قبل اختفائه. تقول إن 8 شبان شكلوا مجموعة وانطلقوا صباح الإثنين من الضاحية الجنوبية على دراجاتهم النارية، متنقلين بين البازورية والشهابية وصفد البطيخ وصولاً إلى مجدل سلم.
هناك، تعطلت إحدى الدراجات بعدما نفد منها الوقود. وبينما كان الشبان يحاولون معالجة الأمر، وصلت عناصر من الدفاع المدني وحذروهم من النزول باتجاه وادي الحجير بسبب وجود الجيش الإسرائيلي في المنطقة.
لكن، بحسب ما نقله إليها الشبان الذين عادوا، قرر هادي الرقة وجواد بزي التوجه نحو الوادي. كانت حركتهم متهورة قاصدين بذلك الوقوف أمام الجنود الإسرائيليين كما كان يحصل في الحروب السابقة. وتقول: “أخبرونا أن هادي قال إنه سينزل إلى الوادي لينفذ حركات استعراضية أمام جنود جيش العدو ويعود سريعاً، ومنذ تلك اللحظة لم يسمع عنهما أحد”.
لم يسمع رفاقهما أي إطلاق نار أو غارة أو مسيرة أو حتى حركة غير اعتيادية. اختفى الشابان، وكأن الأرض ابتلعتهما. آخر اتصال تلقته العائلة من هادي كان قرابة الثالثة بعد ظهر الإثنين. أخبرهم حينها أنه موجود في صور ومتجه جنوباً. بعدها، انقطع كل شيء. تقول شقيقته: “تواصلنا مع كل الجهات المعنية، وسألنا في كل مكان يمكن أن يعطينا معلومة، لكن حتى الآن لا نعرف شيئاً”.
خطوبة مؤجلة… وعريس مفقود
كان علي موسى قشمر ابن بلدة دير كيفا يعيش الأيام الأخيرة للاستعداد لخطوبته المنتظرة بعد عاشوراء. العائلة كانت منشغلة بالترتيبات، فيما كان هو يتحدث عن المرحلة المقبلة من حياته. لكن الخطوبة تحولت إلى انتظار من نوع آخر.
تقول شقيقته ريما قشمر إن علي غادر الضاحية الجنوبية صباح الإثنين متوجهاً إلى الجنوب على دراجته النارية. كان متحمساً لرؤية القرى الحدودية التي حُرم من الوصول إليها طوال أشهر الحرب. أرسل للعائلة صورة من بيت ياحون. كانت تلك آخر إشارة منه. بعد الرابعة من بعد ظهر الإثنين، انقطع الاتصال بالكامل.تقول: “اتصلنا به لساعات طويلة. في البداية لم يكن الخط يعلّق، ثم صار يعطي إشارة قبل أن يتحول الهاتف إلى مقفل”.
وتؤكد أن العائلة تواصلت مع مخابرات الجيش ومختلف الجهات الأمنية والرسمية، من دون الحصول على أي معلومة واضحة.
ورغم الغموض، تميل العائلة إلى فرضية الاحتجاز. تقول شقيقته: “علي مدني بالكامل. لو كان جريحاً أو شهيداً لظهر أي أثر له. لذلك نرجّح أنه أسير”.
اندفاعة العودة إلى البيت
اختفى محمد علي حسن مع علي قشمر، وهم كانوا سويا. يقول أخ زوجة محمد، علي سرور لـ”المدن” إن محمد أرسل قبل انقطاع الاتصال صورة لآرمة بلدة بيت ياحون، وأبلغ عائلته أن بطارية هاتفه أوشكت على النفاد.
كان محمد، ابن عيترون، يعمل منذ فترة على بناء منزل له في بلدته. مثل كثيرين من أبناء القرى الحدودية، كان ينتظر فرصة العودة للاطمئنان إلى منزله وأرضه وما تبقى من تفاصيل حياته هناك.
يقول سرور: “تصرف مثل كثير من الناس الذين اندفعوا نحو الجنوب بعد وقف إطلاق النار. كان يعتقد أن بإمكانه الدخول كما حصل في مراحل سابقة. لم يكن يتوقع أن ينتهي الأمر بهذه الطريقة”.
ويشدد على أن محمد متزوج وأب لطفلين ويملك مغسل سيارات، مؤكداً أنه “مدني مئة في المئة ولا علاقة له بأي جهة عسكرية أو حزبية”.
بحث بلا أجوبة
حتى الآن، لا تملك العائلات سوى الانتظار. الساعات الطويلة التي أعقبت الاختفاء تحولت إلى أيام من القلق والترقب. لا أسماء في لوائح الجرحى، ولا معلومات في المستشفيات، ولا أي أثر واضح يمكن البناء عليه.
ويقول علي سرور إن العائلات لم تترك جهة إلا وتواصلت معها. “فتشوا في أماكن كثيرة ولم يظهر لهم أي أثر”.
في المقابل، تتداول العائلات معلومات غير رسمية مصدرها متابعات مع جهات أمنية وعسكرية، تفيد بأن أسماء الشبان الأربعة قد تكون موجودة لدى الجانب الإسرائيلي عبر آلية التنسيق والمتابعة “الميكانيزم”. إلا أن هذه المعلومات لا تزال غير مؤكدة، ولم يصدر أي موقف رسمي يوضح مصيرهم.
وبين روايات متضاربة، وصمت رسمي، وقلق يتسع ساعة بعد ساعة، تبقى الحقيقة الوحيدة أن أربعة شبان خرجوا باتجاه الجنوب في اليوم الذي اعتقد كثيرون أنه يوم العودة. لكن رحلتهم لم تنته عند بيوتهم، بل عند نقطة غامضة لا يزال مصيرهم خلفها مجهولاً.
