في حضرةِ جبلِ الرفيع، حيثُ لا تبدو الصخورُ صامتة، بل حارسةً لذاكرةِ الناس، تقفُ عربصاليم شامخةً كأنّها آيةٌ منقوشةٌ على كتف الجنوب.
قريةٌ لا تُعلّقُ الحكايات على جدرانها، بل تنسجها خيطًا خيطًا؛
من دعاءِ الأمهات، ومن تعبِ الآباء، ومن عيونِ الأطفال، ومن صبرِ البيوت التي عرفت الحرب ولم تسلّم مفاتيحها للغياب.
عربصاليم، التي تعرف كيف تجعل من الوجع زينةً للكرامة،
تنسجُ سلاسلَ اللؤلؤ وتضعها على رقابِ المجاهدين، لا لتزيدهم بهاءً، بل لتقول لهم:
أنتم منّا، ونحنُ منكم، وما بين الأرض والدم عهدٌ لا ينقطع.
اليوم، نفضت القريةُ عنها غبارَ الحرب والدمار.
لم تنتظر أن تلتئم الجراح كلّها، ولم تسأل الخرابَ أن يبتعد كي تنهض؛
نهضت كما تنهضُ القرى المؤمنة من تحت الرماد:
بخطوةٍ ثابتة، ورايةٍ سوداء، وقلبٍ واحد.
بين المئذنة والقبة، بين الأسلاك المتعبة والبيوت الصابرة، ارتدت عربصاليم ثوبَ عاشوراء.
لم يكن السوادُ فيها لونَ حزنٍ فقط، بل لونَ ذاكرةٍ تعرف طريقها،
ولونَ موقفٍ لا يذبل،
ولونَ وفاءٍ يتقدّم بين الناس كأنّه صلاة.
خرج الكبارُ والصغار، الشيوخُ والشباب،
كأنّ القريةَ كلّها اجتمعت في نَفَسٍ واحد،
وكأنّ جبلَ الرفيع أنصتَ،
وكأنّ المئذنةَ رفعت صوتَ الأرض إلى السماء،
فقالت عربصاليم، لا بفمٍ واحد بل بروحٍ واحدة:
يا حسين.
قالتها وهي تعرف أنّ عاشوراء ليست ذكرى تُروى ثم تمضي،
بل امتحانٌ دائمٌ للكرامة،
وميزانٌ بين من يختار الصمت ومن يختار المعنى،
وبين من يسكنه الخوف ومن تسكنه الرسالة.
في عربصاليم، لم تكن المراسم مجرّد مجلسٍ أو رايةٍ أو نداء؛
كانت عودةَ القرية إلى نفسها،
ومصالحةً مع جراحها،
وإعلانًا بأنّ الجنوب، مهما أثقلته الحرب،
لا يزال يعرف كيف يجمع أبناءه حول الحسين،
وكيف يحوّل الدموع إلى يقين،
والسواد إلى نورٍ داخليّ لا تطفئه العواصف.
هكذا بدت عربصاليم اليوم:
قريةً تحرسها المئذنة، ويظلّلها جبلُ الرفيع،
وتحمل في صدرها وجعَ الحرب وهي تمشي نحو العزاء مرفوعةَ الرأس؛
لا تنكر ألمها، ولا تسمح له أن يهزمها.
عربصاليم لم تلبس عاشوراء اليوم فقط…
بل كشفت أنّ عاشوراء مقيمةٌ فيها:
في صبرِ أهلها،
في وفاءِ أبنائها،
في عزيمةِ نسائها،
وفي صوتها حين يعلو من بين الركام والرايات:
يا حسين… يا حسين… يا حسين.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
