في وقت تتجه فيه أنظار المجتمع الدولي نحو الممرات المائية الحيوية، يعيش الشرق الأوسط مخاضاً جيوسياسياً بالوجوه والأعيرة الثقيلة، وسط تجدد العمليات العسكرية المباشرة والمقنعة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وحلفائها من جهة أخرى. وفي قراءة تحليلية معمقة للمستجدات الراهنة، قالت الباحثة الدكتورة رانيا حتي :
تبرز ثلاثة تطورات متزامنة وحاسمة شكلت في مجموعها رسائل استراتيجية بالغة الدلالة، وكانت السبب المباشر وراء تفجير انزعاج وغضب الرئيس الأميركي دونالد ترامب مجدداً حيال طهران:
- أولاً (السلاح النووي الجغرافي): تمثل في الموقف المدوي لدميتري ميدفيديف الذي اعتبر فيه أن إيران تمتلك “سلاحاً نووياً” من نوع آخر يتمثل في إمساكها بمضيق هرمز. هذا التوصيف الجيواستراتيجي يعكس حقيقة أن السيطرة على هذا الشريان النفطي العالمي تمنح طهران ورقة ردع جبارة لا تقل تأثيراً عن القنبلة الذرية؛ الأمر الذي دفع ترامب لمحاولة يائسة لنفي هذه المعادلة عبر الادعاء خطابيّاً بأن إيران “لو كانت تمتلك سلاحاً نووياً لكانت استخدمته”، في محاولة لإنكار قوة الردع التي تفرضها المواقع الجغرافية.
- ثانياً (رسالة الغواصات الصينية المقلقة): تمثلت في إعلان بكين المفاجئ إطلاق صاروخ استراتيجي يحمل رأساً حربياً وهمياً من غواصة في أعماق المحيط الهادئ، وهي رسالة ردع صينية مشفرة لواشنطن تفيد بأن أي تصعيد واسع وضد إيران تحديداً سيمس مباشرة أمن الطاقة وسلاسل الإمداد الصينية. وجاء الرد الأميركي سريعاً عبر توسيع العمليات العسكرية واستهداف زوارق تابعة للبحرية الإيرانية في مضيق هرمز، في مشهد يعكس تصاعد كباش الردع المتبادل بين القوى العظمى.
- ثالثاً (صفعة المشهد المليوني الدبلوماسي): شكلت اللوحة الجماهيرية الحاشدة لترتيبات التشييع الرسمية والشعبية صدمة للأوساط الغربية، خصوصاً مع المشاركة الرسمية الوازنة لدول إقليمية ودولية كبرى في مقدمتها السعودية، قطر، تركيا، وروسيا. هذا الحشد تجاوز البعد الرمزي ليثبت أن طهران ما زالت قادرة على كسر العزلة وحشد الثقل الدبلوماسي رغم سيل العقوبات، مما جعل تصعيد ترامب الخطابي مجرد محاولة بائسة لاحتواء الأثر السياسي والمعنوي لهذا المشهد.
وتأسيساً على هذه المعطيات، يرى مراقبون لشبكة ZNN أن المنطقة دخلت في مرحلة جديدة تتزامن مع إعادة تنشيط دور حلف شمال الأطلسي (الناتو) واستمرار حمى سباق التسلح، ليبقى السؤال المركزي والمصيري يحوم في الأفق: هل تمثل هذه المؤشرات النارية مقدمة لإعادة تشكيل تحالفات عسكرية دولية تمهيداً لمواجهة كبرى وشاملة ستنطلق فور انتهاء بطولة المونديال، أم أننا لا نزال ضمن حدود “الاستعراض المدروس للقوة” ورسائل الردع المتبادلة التي تهدف فقط لرفع سقوف التفاوض ومنع الانزلاق إلى المحظور؟
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
