في كل أزمة يمر بها الوطن، يكون الطلاب أول من يدفع الثمن، رغم أنهم الحلقة الأضعف والأكثر براءة. فهم لا يختارون الحروب، ولا الأزمات الاقتصادية، ولا الظروف الاستثنائية التي تعصف بالبلاد، ومع ذلك يُطلب منهم دائمًا أن يتحملوا نتائجها. ومن هنا، فإن أي قرار تربوي يجب أن ينطلق أولًا من مبدأ العدالة، لا من مبدأ العقاب.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لقد جاء القانون اللبناني الأخير ليعيد الاعتبار إلى هذا المبدأ، بعدما أنصف جميع الطلاب، ومنحهم جميعًا، دون أي تمييز، الحق في الإفادة والنجاح. وهذا ما أراه انتصارًا للعدالة التربوية، لأن القانون ساوى بين جميع الطلاب، ولم يميز بينهم على أساس مدرسة أو منطقة أو ظروف خاصة.
أما المرسوم الوزاري السابق، فقد اعتمد نتائج الفصل الأول بالنسبة إلى فئة من الطلاب، وهو أمر لم يكن منصفًا في رأيي. فالعام الدراسي ليس فصلًا واحدًا، بل رحلة تعليمية متكاملة. كم من طالب بدأ عامه الدراسي متعثرًا، ثم استعاد ثقته بنفسه، واجتهد، وحقق نتائج مشرّفة في الفصول اللاحقة. فهل يجوز أن نحكم على مستقبله من خلال مرحلة واحدة فقط؟
إن التربية لا تقيس الطالب بلحظة ضعف، بل بقدرته على النهوض. ورسالة المدرسة ليست أن تبحث عن أخطاء الطلاب، بل أن تساعدهم على تجاوزها. لذلك، فإن الاعتماد على نتائج الفصل الأول وحدها كان سيحرم عددًا من الطلاب من فرصة كانوا يستحقونها بكل جدارة.
والأمر الأكثر حساسية أن هذا الواقع انعكس بصورة مختلفة بين المدارس الرسمية والخاصة. فالمدارس الرسمية كانت قد أعلنت نتائج طلابها وفق الأصول المعتمدة، بينما كان لبعض المدارس الخاصة هامش أوسع في إدارة نتائجها وإجراءاتها الداخلية. وهذا خلق شعورًا بعدم تكافؤ الفرص، وهو أمر لا ينسجم مع مبدأ المساواة أمام القانون.
إن القانون لا يفقد قيمته عندما يحمي الجميع، بل يفقدها عندما يطبق بمعيارين مختلفين. فلا يجوز أن تتغير حقوق الطالب باختلاف المدرسة التي ينتمي إليها، لأن جميع الطلاب هم أبناء هذا الوطن، وجميعهم يستحقون العدالة نفسها.
قد ترتفع اليوم بعض الأصوات مطالبةً برسوب عدد من الطلاب بحجة الحفاظ على المستوى الأكاديمي. وأنا أتفهم الحرص على جودة التعليم، لكنني أؤمن بأن العدالة لا تبدأ بالبحث عمن يجب أن يرسب، بل تبدأ بحماية من قد يقع عليه الظلم.
فإذا وُضعنا أمام خيارين؛ إما أن يرسب طالب مظلوم حُرم من فرصة عادلة بسبب ظروف استثنائية، أو أن يستفيد طالب آخر قد يرى البعض أنه لم يكن ليستفيد في الظروف الطبيعية، فإن ضميري التربوي والإنساني يختار ألا يُظلم المستحق. لأنني أؤمن بأن وقوع الظلم على طالب واحد لا يمكن أن يكون ثمنًا مقبولًا لإرضاء شعور عام بالتشدد أو لتحقيق مساواة شكلية.
فالعدالة ليست أن نبحث عن إسقاط أكبر عدد ممكن من الطلاب، بل أن نضمن ألا يُحرم أي طالب من حقه بسبب ظروف خارجة عن إرادته. وعندما تكون الدولة أمام ظروف استثنائية تمس آلاف الطلاب، فإن الأصل هو حماية الحقوق، لا التضييق عليها.
إن التربية رسالة قبل أن تكون نظامًا، ورسالتها الأولى هي إعطاء الأمل. فالطالب الذي يشعر بأن دولته أنصفته سيزداد انتماءً لوطنه، وسيبذل جهدًا أكبر ليكون على قدر هذه الثقة. أما الطالب الذي يشعر بأنه عوقب بسبب ظروف لم يكن مسؤولًا عنها، فإنه يفقد ثقته بالمؤسسات قبل أن يفقد ثقته بنفسه.
لقد أثبت هذا القانون أن الدولة قادرة على تصحيح المسار عندما تضع مصلحة جميع الطلاب فوق أي اعتبار آخر. فالقوانين تُشرَّع من أجل الإنسان، لا العكس، والعدالة الحقيقية هي التي تتسع للجميع، لا تلك التي تستثني بعضهم.
إنني لا أدافع عن النجاح المجاني، ولا أدعو إلى إلغاء معايير الجودة، بل أدافع عن حق كل طالب في أن يُعامل بالمعيار نفسه، وأن تُمنح له الفرصة ذاتها التي مُنحت لغيره. فالنجاح الحقيقي لأي نظام تربوي لا يقاس بعدد الراسبين، بل بقدرته على تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص.
واليوم، أقول بكل قناعة إن هذا القانون لم ينتصر لفئة دون أخرى، بل انتصر لمبدأ سيبقى أساس كل نظام تربوي سليم: أن جميع الطلاب متساوون في الحقوق والفرص أمام القانون.
فالعدل في الرعية، لا الظلم في السوية. وعندما ينتصر العدل، ينتصر الوطن، وتنتصر المدرسة، وينتصر أبناؤنا جميعًا، لأن العدالة التربوية ليست امتيازًا يُمنح، بل حقٌ أصيلٌ لكل طالب.
