الحرب الإيرانية- الأمريكية التي تأخرت 47 عامًا! – د. نسيب حطيط
بدأت أمريكا حربها على الثورة الإسلامية في إيران بعد انتصارها وإسقاطها الشاه، وكيل وشرطي أمريكا، في الخليج، والحليف الاستراتيجي لإسرائيل. وقد مثل ذلك أول ضربة لهيكلية السيطرة الأمريكية على المنطقة، التي اعتمدت على إسرائيل وإيران، لحماية مصالحها في مواجهة حركات التحرر العربية المدعومة من الاتحاد السوفيتي، والذي كان يحافظ على وجوده الميداني عبر الخبراء والمستشارين السوفيات في مصر واليمن وليبيا وسوريا.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
فشنّت أمريكا حربًا على الثورة حديثة الولادة بواسطة العراق ،بقيادة صدام حسين والدول العربية، والتي استمرت ثماني سنوات ، وعبر منظمة “مجاهدي خلق” والاغتيالات التي قامت بها لقيادات الثورة واستطاعت الثورة الإسلامية الصمود وبناء دولة سارت باتجاه الاكتفاء الذاتي على مستوى التصنيع العسكري والعلمي والاقتصادي، بالتوازي مع بناء مشروع مقاوم عقائديًّا وسياسيًّا وعسكريًّا، استطاع أن يملأ الفراغ الذي أحدثه تفكك الاتحاد السوفيتي وحلف وارسو والكتلة الاشتراكية الشرقية.
لم تنسَ أمريكا تاريخ شباط 1979، الذي أعلن بداية مشروع مقاوم للتحالف الأمريكي الإسرائيلي، والذي قطع الطريق على قطار السلام الأمريكي -الإسرائيلي الذي انطلق من محطته الأولى بين مصر وإسرائيل باتفاقية “كامب ديفيد” في آذار 1978. وانتظرت أمريكا 32 عامًا لبدء هجومها الشامل على مشروع الثورة الإسلامية الإيرانية، فاستغلت مطالب الشعوب وظلم أنظمتها واختارت شباط 2011 لبدء ما سمته “الربيع العربي” لبث الفوضى الأمريكية البنّاءة وفق التوصيف الأمريكي، والهدّامة وفق الوقائع، حيث استطاعت تخريب سوريا والعراق وليبيا والسودان ومصر، مما أدى إلى شطب العالم العربي من موقع التأثير السياسي أو الوجودي، وتفكيك ما كان أمّة عربيةً وتحويلها إلى دول متناحرة، وقسّمتها إلى قوميات وطوائف ومذاهب لصالح مشروع إسرائيل الكبرى.
طوال 47 عامًا، كانت الحرب قائمة بشكل غير مباشر بين أمريكا وإيران على جبهات متعدّدة في لبنان وسوريا والعراق واليمن وفلسطين، بما يُسمى “الحروب بالواسطة” أو الحلفاء، حتى معركة “طوفان الأقصى” وما أعقبها من “حرب وجودية” لكلا الطرفين وحلفائهما، فأمريكا وإسرائيل والأنظمة العربية المتحالفة معها تخوض حربًا وجودية، بعدما رفع محور المقاومة شعار زوال إسرائيل وطرد القوات الأمريكية من غرب آسيا دفاعًا عن فلسطين وحقوقه وسيادته ووجوده، في مواجهة التهديد الأمريكي الإسرائيلي الذي يريد فرض السلام بالقوة دون إعادة الحقوق ودون ضمان أمن أحد، بالتلازم مع نهب ثروات الجميع من نفط وغاز وماء طوعًا أو كرهًا، باتفاقيات شكلية مع الحكومات التي نصّبتها أمريكا، أو بالقوة والغزو والاحتلال.
بناءً على نشوة الإنتصارات التي اعتقدت أمريكا أنها حققتها في غزة وسوريا ولبنان وإنهاء المقاومة المسلّحة أو انهاكها ، اعتقدت بقدرتها على قطع “الرأس” لمحور المقاومة في إيران بعد قطع أطرافه، فاغتالت القائد الروحي والمرشد الأعلى للثورة والجمهورية الإسلامية، وكادت أن تنجح بحربها الخاطفة في إسقاط النظام واحتلال إيران من الداخل، وإلغاء المحور المقاوم، واستباحة الشرق الأوسط وتحويله إلى مستعمرة أمريكية- إسرائيلية يعمل بخدمتها مئات الملايين من العبيد العرب والمسلمين.
بدأت الحرب الأمريكية- الإيرانية المباشرة منذ أسبوع بعد سقوط مذكرة التفاهم الأمريكي- الإيراني أو تجميدها، دون مشاركة حلفائهما في مرحلتها الراهنة ، فلا زالت إسرائيل خارج دائرة العمليات العسكرية، وكذلك المقاومة اللبنانية واليمنية والعراقية، مع إمكانية مشاركتها مع أطراف جديدة مثل سوريا وتركيا وغيرها في الحرب الإقليمية الشاملة ، والتي سترسم المشهد السياسي للشرق الأوسط الجديد لـ 50 أو 100 عام، كما رسمته اتفاقية “سايكس- بيكو” قبل أكثر من 100 عام. وستحدّد الحرب الطرف الذي سيوقّع مع أمريكا وإسرائيل… هل هي تركيا أم إيران أم تحالف “تركيا-إيران”، مع ثابت أكيد هو غياب الطرف العربي عن طاولة المفاوضات!
إن الغرور الأمريكي والتهور للرئيس الأمريكي “ترامب” الذي شجعه تخاذل الرؤساء والأنظمة في العالم لاستباحة الحقوق والقوانين وسيادة الدول ،دفعاه لشن حربه على إيران، لكنه سيغرق في رمالها المتحركة، ويكرر تجربة روسيا في أوكرانيا، مع فارق أساسي هو أن قوة إيران ليست محصورة في جغرافيتها، بل في “جغرافية عقيدتها” التي ترتبط بشعوب وجماعات خارج إطار السياسة، تجمعها العقيدة الإسلامية، والتي ستوفر لها أوراق قوة تستطيع طعن أمريكا في خواصرها الضعيفة على مستوى العالم.
استطاعت إيران بصمودها وصمود حلفائها من حركات المقاومة ،كسر استراتيجية أمريكا بالحروب البديلة وبالوسائط، واستدراجها إلى الحرب المباشرة التي لا تستطيع الاستمرار فيها، إذا تحوّلت إلى حرب استنزاف طويلة.
لازالت إيران ومحور المقاومة ،يمتلكون الكثير من أوراق القوة وأهمها العقيدة والمضائق والطاقة والاقتصاد العالمي…والسلاح! .
