في الوقت الذي ألغى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الهجوم الوشيك الذي خطّط له ضدّ إيران، توزعت الاهتمامات الداخلية أمس، بين تتبّع الاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة على الجنوب قصفاً وتفجيراً وتدميراً، جنوب منطقة الليطاني وشمالها وصولاً إلى تلال علي الطاهر، وبين التحضير لجولة المفاوضات السابعة اللبنانية ـ الإسرائيلية المقرّرة غداً في روما برعاية الولايات المتحدة الأميركية، وسط توقعات متضاربة حول النتائج التي يمكن أن تسفر عنها، خصوصاً أنّها تأتي بعد القمة الأخيرة في البيت الأبيض بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون والرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي أعقبها بلقاء قمّة الأسبوع الفائت مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وتشير التقديرات الأولية إلى احتمال أن تحقق هذه الجولة بعض التقدّم في اتجاه البدء بتنفيذ منطقة تجريبية جديدة، من إسقاط احتمال فشلها تبعاً للتطورات الميدانية الجارية، والإصرار الإسرائيلي على عدم الانسحاب مما تسمّيه «المنطقة الأمنية».
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
قال مصدر ديبلوماسي لـ«الجمهورية»، إنّ «جولة المحادثات المرتقبة في روما بين لبنان وإسرائيل، برعاية أميركية، تأتي في ظرف أكثر تعقيداً من الجولات السابقة، ليس فقط بسبب صعوبة الملفات التي ستُبحث، وإنما أيضاً نتيجة استمرار الوقائع الميدانية في الجنوب، ولا سيما منها عمليات التفجير والهدم وتدمير الممتلكات، والتي باتت تشكّل اختباراً مباشراً لمدى قدرة التهدئة القائمة على الصمود، والتحوّل إلى ترتيبات أمنية قابلة للتنفيذ». وأشار المصدر، إلى أنّ «روما لن تكون مجرّد جولة تفاوضية إضافية، بل محطة لاختبار ما إذا كان وقف إطلاق النار يمكن تثبيته فعلياً على الأرض، لأنّ أي تقدُّم سياسي أو أمني سيبقى هشاً ما لم يترافق مع خفض ملموس في مستوى الخروقات ووقف الممارسات التي تعقّد مهمّة تثبيت الهدوء». ولفت المصدر، إلى أنّ «الجانب اللبناني سيدفع في اتجاه تثبيت وقف إطلاق النار، في اعتباره المدخل الطبيعي لأي بحث في ترتيبات لاحقة، فيما ستسعى الولايات المتحدة إلى إبقاء المسار التفاوضي مفتوحاً، انطلاقاً من هدف أوسع يتمثل في الوصول إلى صيغة أمنية تضمن الاستقرار على جانبي الحدود».
وبحسب المصدر، فإنّ من أبرز الملفات التي يُتوقع أن تكون حاضرة في روما، تحديد المنطقة التجريبية الثانية التي يمكن أن يدخل إليها الجيش اللبناني، في إطار توسيع نطاق انتشاره وتعزيز دوره جنوباً. إلّا أنّ هذا الملف لن يُبحث بمعزل عن التطوُّرات الميدانية، إذ إنّ استمرار عمليات الهدم والتفجير والخروقات المتبادلة، سيجعل من الصعب الانتقال بسلاسة من مرحلة إلى أخرى، خصوصاً أنّ أي ترتيبات أمنية تحتاج إلى بيئة ميدانية مستقرة، تسمح للجيش اللبناني بالقيام بالمهمات المنوطة به.
وفي المقابل، يتوقع المصدر أن يركّز الجانب الإسرائيلي على ما يعتبره خروقات من جانب «حزب الله» للتهدئة، وأن يحاول تثبيت موقفه القائل إنّ الحزب لا يزال يشكّل مصدر تهديد أمني لإسرائيل. ومن هنا، فإنّ المفاوضات لن تدور فقط حول وقف الخروقات الإسرائيلية، بل ستتناول أيضاً الهواجس الإسرائيلية المتعلقة بالسلاح والبنية العسكرية لـ«حزب الله» وقدرته على إعادة بناء قدراته، وهو ما سيجعل النقاش الأمني أكثر حساسية وتعقيداً.
ويعتبر المصدر أنّ «المعادلة الأساسية في روما ستتمثل في محاولة الانتقال من إدارة وقف إطلاق النار إلى تثبيته»، موضّحاً أنّ الفارق بين المرحلتَين كبير. فإدارة التهدئة تعني احتواء الخروقات ومنعها من التحول إلى مواجهة واسعة، فيما تثبيت وقف النار يتطلّب معالجة أسباب التوتر ووضع آليات واضحة للرقابة والتنفيذ، بما يسمح بانتقال تدريجي نحو ترتيبات أمنية أكثر استدامة.
وفي هذا السياق، يرى المصدر أنّ الحديث عن إنهاء المرحلة التجريبية الحالية أو الانتقال سريعاً إلى مراحل جديدة لا يزال مبكراً، لأنّ المسار يحتاج إلى وقت وإلى توافر مجموعة من الشروط السياسية والميدانية. ويضيف، أنّ صورة المرحلة المقبلة قد تصبح أكثر وضوحاً بعد تشرين الأول، في ضوء الاستحقاقات السياسية داخل إسرائيل، والتي يمكن أن تؤثر في طريقة مقاربة الحكومة الإسرائيلية للملف اللبناني، وفي سرعة اتخاذ القرارات المرتبطة بالحدود الشمالية.
أمّا على المستوى الإقليمي، فيشير المصدر إلى أنّ التطوّرات المتعلقة بإيران لا يمكن فصلها بكاملها عن المسار اللبناني، خصوصاً في ظل المخاوف من انتقال أي تصعيد إيراني ـ إسرائيلي إلى ساحات أخرى في المنطقة. ويقول، إنّ الاتصالات الديبلوماسية الجارية عبر عدد من العواصم، من الخليج إلى تركيا وباريس، تعكس إدراكاً دولياً لخطورة انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع، لكنّ نجاح هذه المساعي لا يزال غير مضمون، فيما تستمر التحذيرات الغربية لرعاياها في لبنان والمنطقة، بما يعكس ارتفاع مستوى القلق من احتمال التصعيد.
ويعتبر المصدر، أنّ إسرائيل تتحرّك، في جانب من عملياتها جنوباً، على قاعدة منع استخدام أي بنى تحتية عسكرية أو أنفاق أو مخازن أسلحة في حال توسعت المواجهة. إلّا أنّ استمرار هذه العمليات يحمل في المقابل كلفة سياسية وميدانية على مسار التهدئة، لأنّ تدمير الممتلكات والمنشآت المدنية يعمّق التوتر ويُضعف الثقة المطلوبة لإنجاح المفاوضات.
وعن احتمال انخراط «حزب الله» مجدّداً في أي مواجهة إقليمية دعماً لإيران، يلفت المصدر إلى أنّ هذا الاحتمال يبقى من أكثر الملفات حساسية، لأنّ أي قرار من هذا النوع لن تكون تداعياته محصورة بالساحة الإيرانية ـ الإسرائيلية، بل سينعكس مباشرة على لبنان، الذي لا يزال يعاني آثار الحروب السابقة وما ترتب عليها من خسائر بشرية واقتصادية ودمار ونزوح.
ويقول المصدر، إنّ «المسألة ليست فقط في معرفة ما إذا كان الحزب سيتدخّل أم لا، بل في تقدير قدرة لبنان على تحمّل نتائج أي تدخّل جديد»، مشدّداً على أنّ الأولوية اللبنانية يجب أن تبقى تحييد البلاد عن أي مواجهة إقليمية قدر الإمكان، والحفاظ على وقف إطلاق النار في اعتباره المظلة التي تتيح للبنان التقاط أنفاسه واستكمال مسار إعادة بناء مؤسساته واقتصاده.
ويخلص المصدر الديبلوماسي إلى أنّ «روما ستكون اختباراً للنيات أكثر منها محطة لإعلان تسوية نهائية»، موضحاً أنّ نجاح الجولة لن يُقاس فقط بما سيصدر عنها من بيانات أو تفاهمات، وإنما بمدى قدرتها على خفض مستوى التوتر على الأرض، وتثبيت وقف إطلاق النار، وتوفير شروط عملية لزيادة انتشار الجيش اللبناني، وفتح الطريق أمام مرحلة أمنية أكثر استقراراً.
اختراقات حقيقية؟
وفي السياق، قالت أوساط سياسية لـ«الجمهورية»، إنّ المؤشرات الظاهرة توحي بأنّ جولة التفاوض السابعة في روما لن تؤدي إلى إحداث اختراقات حقيقية، الّا إذا ضغَطت واشنطن جدّياً على الجانب الإسرائيلي لدفعه إلى القبول بتوسيع المناطق التجريبية في اتجاه بلدات جنوبية محتلة بالكامل.
