تفرض المشاهد المروعة لنسف القرى والبلدات في جنوب لبنان مقاربة بنيوية إستراتيجية تلامس الجرح اللبناني الممتد، وتكشف بوضوح أن العدو الإسرائيلي، الذي يعمد اليوم إلى تفجير البيوت وتجريف الأحياء، هو ذاته المسؤول الأول والمدبر لتفجير مرفأ بيروت الكارثي، ضمن سلوك مألوف وعقيدة عسكرية إجرامية يعتمدها الكيان الصهيوني منذ زمن بعيد.
إن الربط التقاطعي بين تفجير حجر العاصمة ومرفئها، وبين ما يشهده الجنوب حالياً من عمليات نسف ضخمة وممنهجة للمربعات السكنية والبنى التحتية (وأحدثها نسف نفق وادي حسن في مجدل زون بـ80 طناً من المتفجرات)، يؤكد أن “الكيان اللبناني” بأسره يقع ضمن دائرة الاستهداف الإسرائيلي المباشر لمقومات بقائه وصموده الاقتصادي والجغرافي. فالسلوك الصهيوني التاريخي لم يتبدل؛ إذ يرتكز على تدمير الحواضر الاقتصادية والقرى الأمامية لإفراغ البلاد من عناصر قوتها، ونزع الحياة من الجغرافيا اللبنانية لفرض شروط إذعان وقهر تحت وطأة الرماد، ومنع مئات آلاف النازحين من التفكير بالعودة إلى أرضهم.
بين تفجير المرفأ وتدمير الجنوب، تلتقي الأهداف الإسرائيلية الخبيثة عند تصفية الحسابات التاريخية بالنار ومحو الهوية الوطنية اللبنانية. ورغم وضوح هذا المخطط الإستراتيجي الممتد للعدو، تبرز المعضلة الداخلية اللبنانية في غياب الاتعاظ واستخلاص العبر من نكبات الماضي؛ فالمنظومة الحاكمة وبعض القوى السياسية لا تزال تغرق في مستنقع الانقسامات والتبعية، وتندفع نحو مفاوضات وقف إطلاق النار بـ”اتفاق إطار” يرى فيه طيف واسع من النخب تفريطاً فادحاً بالسيادة الوطنية.
في المحصلة، يثبت الواقع الميداني والدبلوماسي أن الإجرام الصهيوني الممنهج –سواء في بيروت أو في النبطية وصور والقرى الحدودية– سيبقى مستمراً كأداة إبادة وضغط إستراتيجية، ما لم تتشكل شبكة أمان وطنية تضع حداً للإنتهاكات الإسرائيلية بموقف وطني جامع ، وتدرك أن مواجهة مخططات العدو التاريخية تبدأ من وحدة الوعي الداخلي الحقيقي قبل خطوط التفاوض في الخارج.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
