غيّر صوته وانتحل صفة والدته… محتال يستهدف كبار السن ويقع في قبضة القضاء
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
ادعى النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي سامي صادر على فادي ك.، بجرائم احتيال نُفذت بتاريخ لم يمر عليه الزمن، بعدما كشفت التحقيقات عن أسلوب يقوم على استهداف أشخاص من الطاعنين في السن، واستغلال ثقتهم للدخول إلى منازلهم، قبل نسج روايات مختلفة بهدف الحصول منهم على أموال ومجوهرات ومقتنيات أخرى.
وتعود إحدى الوقائع إلى شكوى تقدمت بها أرنستين م.، مواليد العام 1966 ومن سكان أنطلياس، بواسطة وكيلها المحامي حسن شرارة، أمام النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان، ضد مجهول وكل من يظهره التحقيق بجرم الاحتيال. إلا أن التحريات وكشوف الاتصالات قادت لاحقاً إلى فادي ك.، الذي كان موقوفاً أصلاً لدى مفرزة جونية القضائية في قضايا احتيال أخرى.
وبحسب الشكوى، حضر شخص مجهول بتاريخ 29/10/2025 إلى منزل المدعية في منطقة أنطلياس – حي الغوارنة، منتحلاً صفة أحد أقاربها من الجبل، ومستغلاً كبر سنها وضعف نظرها. وأوهمها بأنه ابن سيدة تدعى أنطوانيت من بسكنتا، وأنه يواجه مشكلة خطرة بعدما دهس شخصاً ويحتاج إلى المال لدفع ديته، مدعياً أن ذوي الضحية قد يقدمون على قتله.
ووفق رواية المدعية، تمكن الرجل بداية من الحصول منها على مبلغ 500 دولار أميركي، كما حصل على رقم هاتف منزلها بعدما أوهمها بأن والدته ستتصل بها لاحقاً.
لكن الحيلة، وفق الشكوى، لم تتوقف عند هذا الحد.
فقد اتصل بها لاحقاً من هاتفه الجوال، وغيّر صوته ليبدو كصوت امرأة، منتحلاً صفة والدته، وطلب منها مبلغاً إضافياً زاعماً أنه بحاجة ماسة إلى المال لحل مشكلته وتجنيب حياته الخطر، واعداً بإعادة الأموال إليها قريباً.
وبحسب الشكوى، عاد الرجل مجدداً إلى منزلها حاملاً معه كيساً من الخضار زاعماً أنه مرسل من والدته، واستمرت عملية تسليمه الأموال على مراحل، إلى أن بلغ مجموع ما قالت المدعية إنها دفعته له 4 آلاف دولار أميركي.
وعلى أثر الشكوى، باشرت فصيلة أنطلياس التحقيق، وجرى تفريغ كاميرات المراقبة الموجودة بالقرب من منزل المدعية، وأرفقت المشاهد المسجلة على وحدة تخزين USB، حيث ظهر الشخص أثناء دخوله إلى المنزل.
كما جرى الاستحصال من شركة “أوجيرو” على كشوف الاتصالات الصادرة والواردة إلى رقم هاتف منزل المدعية، وأظهرت الكشوف أرقاماً عدة خضعت للتدقيق، بينها رقم يعود إلى وليد ح.، صهر المدعية وزوج ابنتها، إضافة إلى رقم آخر أجرى اتصالات بهاتف المنزل، إلا أن محاولات التواصل معه لم تنجح بعدما تبين أنه مقفل بصورة مستمرة.
وبناء على إشارة المحامي العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضية أميرة صبرا، أحيل الملف للتوسع في التحقيق والمخابرة بالنتيجة، فتولت مفرزة الجديدة القضائية، بإمرة العقيد وسام فاخوري، متابعة القضية.
وخلال التحريات، توفرت للمفرزة معلومات تفيد بأن مفرزة جونية القضائية أوقفت شخصاً يدعى فادي ك.، مواليد العام 1974، بجرم الاحتيال، وأن ضحاياه في عدد من الوقائع كانوا من الطاعنين في السن.
وبعد التواصل مع مفرزة جونية، تأكدت صحة المعلومات، وتبين أن الرجل لا يزال موقوفاً لديها، وأن محضراً منظماً بحقه بالجرم نفسه.
ووفق المعلومات التي تجمعت في الملف، كان فادي ك. يعتمد أسلوباً احتيالياً يقوم على استهداف نساء ورجال من كبار السن، إذ يعمد قبل تنفيذ عملياته إلى مراقبة الضحية وجمع معلومات عنها وعن محيطها وأقاربها، ثم يستفيد من هذه التفاصيل لكسب ثقتها، وإيهامها بوجود معرفة أو صلة تجمعه بأشخاص تعرفهم، قبل الدخول إلى منزلها وتنفيذ مخططه.
وهي طريقة تتقاطع مع ما كشفته التحقيقات في قضية أنطلياس، إذ أظهرت الإفادات أن المشتبه به استحصل من المدعية نفسها على أسماء عدد من أقاربها، قبل أن يوظف المعلومات التي حصل عليها في محاولة إقناعها بروايته وطلب المال منها.
وبتاريخ 29/7/2026، جرى إطلاع القاضية صبرا على نتائج التحريات، فأشارت بتوجيه برقية إلى مفرزة جونية القضائية لعدم إخلاء سبيل فادي ك.، والانتقال لاحقاً إلى مكان توقيفه والاستماع إلى إفادته ومخابرتها مجدداً بالنتيجة.
وبتاريخ 6/8/2026، كلف العقيد فاخوري دورية بالانتقال إلى مفرزة جونية القضائية، حيث جرى استخراج فادي ك. من مكان توقيفه وبوشر بالتحقيق معه.
وأفاد فادي ك. بأنه من مواليد 15/2/1974، متأهل ويعمل مزارعاً ويسكن في بسكنتا، وأنه من قضاء راشيا بحسب بطاقة هويته. كما أوضح أنه أوقف من قبل مفرزة جونية القضائية أثناء وجوده في منطقة يسوع الملك، فيما كان يستقل حافلة لنقل الركاب على الطريق العام، على خلفية عدة عمليات احتيال، وأقر بأنه اعترف خلال التحقيق معه هناك بعدد من العمليات المماثلة.
وبعد إبلاغه بحقوقه المنصوص عليها في المادة 47 من قانون أصول المحاكمات الجزائية المعدلة، أفاد بأنه لا يرغب في الاستفادة منها في الوقت الحاضر.
كما أكد أن رقم الهاتف الذي أظهرته التحقيقات يعود إليه، وأنه كان يستعمله قبل أن يقوم بإلغائه منذ نحو 7 أشهر.
وعند مواجهته بشكوى أرنستين م. ونتائج كشف الاتصالات التي أظهرت إجراء رقم هاتفه اتصالين برقم منزلها بتاريخ 28/11/2025، بدأت تتكشف تفاصيل ما حصل داخل المنزل.
فقد أقر فادي ك. بأنه دخل بالفعل إلى منزل سيدة مسنة في منطقة أنطلياس – حي الغوارنة، متذرعاً ببيع الخضار والفواكه. وقال إن السيدة فتحت له الباب واشترت منه، وخلال وجودهما في غرفة الجلوس سألته عن المنطقة التي يتحدر منها، فأخبرها بأنه من بسكنتا، وعندما سألته عن اسمه قال لها إنه يدعى فادي.
وأضاف أن المدعية سألته عن شخص يدعى عبدو من أقاربها، فأوهمها بأنه يعرفه وأنه صديقه، ثم سألها عن عدد من أقاربها فزودته بأسمائهم قبل أن يغادر المنزل.
وفي اليوم التالي، عاد فادي ك. إلى المنزل حاملاً معه سطل لبن وكمية من الجبنة، زاعماً أنه أحضرهما من الضيعة، قبل أن ينتقل إلى الجزء الأساسي من الحيلة، وفق ما أقر به خلال التحقيق.
فقد أخبر المدعية بأنه يواجه مشكلة كبيرة بعدما صدم شخصاً بسيارته وأن الأخير في حالة حرجة، وأنه يحتاج بصورة عاجلة إلى المال.
وبحسب إفادته، رفضت المدعية إعطاءه المال وأبلغته بأنها ستراجع وكيلها، فعمد عندها إلى مغادرة المنزل ولم يعد إليه، خشية افتضاح أمره.
إلا أن التحقيق واجهه برواية المدعية التي أكدت أنها سلمته بداية مبلغ 500 دولار أميركي، ثم مبالغ إضافية على مراحل، حتى وصل مجموع ما دفعته، بحسب إفادتها، إلى 4 آلاف دولار.
فادي ك. أنكر استلام هذه الأموال، وأصر على أن المدعية لم تسلمه أي مبلغ، لكنه أقر في المقابل بأنه طلب منها رقم هاتف منزلها للتواصل معها بعدما طلب منها المال.
أما الاعتراف الأكثر وضوحاً، فجاء عند سؤاله عن الاتصالات التي ظهرت في الكشوف.
إذ أقر بأنه هو من اتصل بهاتف منزل المدعية مستخدماً رقمه الخاص، وأنه غيّر صوته خلال الاتصال ليبدو كصوت سيدة، منتحلاً صفة والدته، وطلب منها مبلغاً مالياً.
وقال إن المدعية أبلغته خلال الاتصال بأنها لا تملك سوى 500 دولار أميركي، وإنها ستراجع وكيلها لأنها لا تدفع أي مبلغ مالي من دون استشارته.
كما أقر صراحة بأنه دخل إلى منزل أرنستين م. بقصد الاحتيال عليها بسبب حاجته إلى المال، وأنه تذرع بقصة صدم شخص بسيارته للوصول إلى غايته، لكنه بقي مصراً على نفي حصوله فعلياً على الأموال التي تحدثت عنها المدعية.
ولتعزيز عملية التعرف إليه، عرض المحققون على فادي ك. صورة للمدعية كانت قد أرسلت عبر تطبيق “واتساب”، فأكد أنها السيدة نفسها التي دخل إلى منزلها في أنطلياس – حي الغوارنة بقصد الاحتيال عليها.
وفي الاتجاه المعاكس، طلب المحققون من وكيل المدعية إحضار موكلته إلى مفرزة الجديدة القضائية لإجراء مقابلة وجاهية بينها وبين الموقوف، إلا أنه أوضح أن موكلته طاعنة في السن ولا تستطيع التنقل بسهولة.
وعليه، جرى إرسال صورة فادي ك. إليه عبر “واتساب” لعرضها عليها، وأفاد لاحقاً بأنها تعرفت إليه بنسبة 90 في المئة.
وأرسل وكيل المدعية بدوره صورة موكلته إلى المحققين، فجرى عرضها على فادي ك.، الذي أكد مجدداً أنها السيدة نفسها التي دخل إلى منزلها.

وخلال استكمال إفادته، أقر فادي ك. بأنه نفذ عدة عمليات احتيال مماثلة في منطقة جونية، وأنه اعترف بها جميعها أمام مفرزة جونية القضائية.
كما أفاد بأنه أوقف سابقاً مرة واحدة بجرم إساءة الأمانة، على خلفية استلامه مبالغ مالية من أشخاص وعدم تسديدها، وأبدى استعداده لتحمل المسؤولية القانونية في حال ثبت خلاف ما أدلى به، مؤكداً أنه لم ينفذ ضمن نطاق عمل مفرزة الجديدة القضائية أي عملية مماثلة أخرى سوى الواقعة التي أقر بها.
وعند الساعة 11 من تاريخ 7/8/2026، جرى إطلاع القاضية أميرة صبرا على كامل نتائج التحقيق، ولا سيما إفادة فادي ك. وما أظهرته التحريات وكشوف الاتصالات وعمليات التعرف إلى الصور.
وبنتيجة ذلك، أشارت إلى صرف النظر عن إجراء مقابلة وجاهية بين المدعية والموقوف، وتوقيفه وختم المحضر وإيداعه جانب النيابة العامة الاستئنافية في جبل لبنان وفقاً للأصول.
وهكذا، انتقل الملف من شكوى ضد مجهول إلى ادعاء قضائي على مشتبه به أقر بنفسه بأن دخوله إلى المنزل كان بقصد الاحتيال، وبأنه انتحل عبر الهاتف صفة والدته وغيّر صوته لطلب المال، فيما بقي الخلاف الأساسي في التحقيق محصوراً في ما إذا كان قد نجح فعلاً في الحصول على مبلغ الـ4 آلاف دولار الذي تقول المدعية إنها سلمته إياه.
