الضجة المثارة حول حلقة “الوليمة” تكشف حجم الفراغ والسطحية في الساحة الإعلامية اللبنانية
كتب الباحث والمحلل السياسي د. علي أحمد :
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
تكشف الضجة التي اثارتها حلقة «الوليمة» شيئا أبعد من نجاح الحلقة او إخفاقها. تظهر مقدار الفراغ في الساحة الإعلامية اللبنانية، ولا سيما حين يتحول برنامج جديد، بسبب نمطه المختلف، إلى مادة لسجال واسع يطغى فيه الحديث عن الطعام على الأفكار والقضايا التي طرحت حول المائدة.
أقول ذلك وأنا من الذين قدموا للاخوة والزملاء والاصدقاء المعنيين ملاحظات واضحة على الحلقة، تناولت الإعداد، وبناء المحاور، وطريقة إدارة الحوار، وتوزيع الأدوار، وغياب وجهة نظر حزب الله عن الطاولة. خاصة أنني أعرف أصل الفكرة، إذ حدثني عنها الأخ والصديق علي هاشم قبل أشهر.
لم يكن الطعام، في أصل الفكرة، موضوع الحلقة. كان مدخلا رمزيا الى محاور النقاش والافكار التي يمثلها الضيوف. فالكبة النيئة تنتمي الى تراث جبل عامل، ومنها يفتح الحديث على الجنوب وبيئته وذاكرته وثقافته وواقعه الحالي. ويحتاج الطعام الإيراني إلى وقت وصبر في الإعداد، بما يسمح باستحضار معاني التدرج والتراكم والنفس الطويل. أما الهامبرغر، فيأتي من خارج سياق المنطقة وروحها وطبيعتها، سريع التحضير والاستهلاك، وكثير الضرر أيضا.
كان يفترض أن يشكل الطعام أساسا لبناء المحاور، وأن تقود فلسفة إعداد كل طبق الى مناقشة نمط من التفكير والحياة والسياسة. فالطعام هنا لغة ورمز، وليس غاية في ذاته، ولا مناسبة لمراقبة ما يأكله الضيوف وكيف يأكلونه.
الخلل الذي حصل في تقديم هذا الجانب من الحلقة جعل الطعام يطغى على رمزيته، ودفع جزءا كبيرا من النقاش في اتجاه الأكل وتفاصيله. وهذه ملاحظة مهنية مشروعة تستحق المراجعة، كما تستحق الحلقة مراجعة اعدادها ومحاورها وادارتها وتوازن الاراء فيها في الحلقات القادمة.
والإنصاف يقتضي القول أن عددا من الزملاء قدموا ملاحظات مهمة وجيدة، وناقشوا الحلقة بجدية ومهنية. غير أن غالبية من دخلوا السجال لم يناقشوا الفكرة، ولم يتوقفوا عند ما قيل وما غاب، ولا عند طبيعة المحاور وتوازن وجهات النظر. اختزلوا الحلقة في مشهد الطعام، وانصرفوا الى مراقبة الصحون واللقم وتحويل الضيوف إلى مادة للاجتزاء والسخرية.
هنا تحديدا يظهر مقدار الخواء الفكري عند البعض. فعندما يصبح ما اكله الضيف اهم مما قاله، وتتحول طريقة تناول الطعام الى القضية الأساسية، نكون أمام ساحة تستسهل السخرية لأنها اعجز من أن تناقش فكرة، وتفضل الضجيج لأنه لا يحتاج الى معرفة او منهج.
اما الدكتور حسن أحمديان ، فهو أخ وصديق عزيز، وقد شرفنا كثيرا بحضوره في لبنان. ويكفي حجم الإنشغال به لندرك مقدار تأثيره. يحاول بعضهم أن يكبر نفسه من خلال الإنتقاص منه والتطاول عليه، غير أن أحمديان أكبر من أن تنال منه محاولات بعض التافهين الباحثين عن حضور سهل على حساب الاخرين.
ويتحدث بعض هؤلاء باسم الحوار وضرورته، فيما لغتهم وسلوكهم أبعد ما يكونان عن أي حوار حقيقي. ليتهم امتلكوا شيئا يسيرا من فكر أحمديان، وعقله العلمي والمنهجي، وانفتاحه، وقدرته على الإستماع الى المختلف ومناقشته. عندها كانوا سيناقشون أفكاره ومواقفه بموضوعية، بدل محاولة تكبير أنفسهم بالهجوم عليه.
لقد تحولت «الوليمة» الى مرآة للساحة الإعلامية اللبنانية: ملاحظات مهنية قليلة، وضجيج واسع كشف لدى كثيرين فائضا في الكلام ونقصا حادا في الفكر والعقل وسعة الأفق.
