خرائط النفوذ الجديدة: الإقليم يمر بمرحلة إعادة صياغة جيو-سياسية شاملة
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
يمر الشرق الأوسط في هذه المرحلة الدقيقة بـمنعطف جيو-سياسي هو الأعمق منذ عقود، حيث تشير المعطيات الميدانية والتحركات الدبلوماسية المتسارعة إلى انتقال الإقليم من مربع “المواجهات العسكرية المفتوحة” إلى مربع “تثبيت التوازنات الجديدة” وصياغة خرائط نفوذ إستراتيجية برعاية دولية مباشرة. هذا التحول لا يعيد رسم الحدود السياسية فحسب، بل يضع أسساً جديدة لقواعد الاشتباك الأمني والمالي في المنطقة.
أولاً: الترتيبات الحدودية في جنوب لبنان ولغز “الانسحاب الأممي”
يُشكّل إعلان قوات الطوارئ الدولية “اليونيفيل” عن بدء التخطيط الفعلي لتسليم مقراتها وممتلكاتها اللوجستية إلى الجيش اللبناني تمهيداً لانسحابها الكامل أواخر العام الحالي، مؤشراً بارزاً على رغبة دولية في إنهاء صيغ التفويض القديمة والاعتماد على السيادة اللبنانية المباشرة كمحاور أساسي على الحدود.
وعلى الرغم من محاولات فرض وقائع ميدانية جديدة تحت مسميات مستحدثة كـ”الخط الأصفر” في البلدات التي شهدت توغلات إسرائيلية، فإن الإصرار الأممي على أن “الخط الأزرق هو المرجع الوحيد” يعكس قراراً دولياً حاسماً بإلزام كافة الأطراف بحدود القرار الإستراتيجي 1701، تمهيداً لرعاية مفاوضات ترسيم بري نهائي تُنهي النزاع الحدودي التاريخي.
ثانياً: إعادة هيكلة المشهد السوري والانتقال إلى “الدبلوماسية المباشرة”
في المقلب السوري، يتسارع قطار الترتيبات الإستراتيجية تحت مظلة الإدارة السورية الجديدة برئاسة أحمد الشرع، والتي أحدثت انعطافة تاريخية عبر الانتقال المباشر إلى العمل السياسي والدبلوماسي الاحتوائي لتجنيب البلاد والمنطقة مواجهات عسكرية غير محسوبة.
وتتجه الأنظار إقليمياً ودولياً إلى المفاوضات المباشرة والرفيعة المستوى التي عُقدت في الأردن بوساطة ورعاية أمريكية، وجمعت وزير الخارجية والمغتربين السوري أسعد حسن الشيباني برئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الإسرائيلية (الموساد) رومان غوفمان. هذا اللقاء التاريخي، الذي جاء عقب الغارات الإسرائيلية على قاعدة “أبو الظهور” الجوية، يعكس رغبة واضحة من إدارة دمشق الجديدة في تفعيل القنوات الدبلوماسية لخفض التصعيد وحماية السيادة الوطنية.
وتتمسك الدبلوماسية السورية بقيادة الشيباني بثوابت أساسية في هذه المفاوضات؛ ترتكز على العودة لتفعيل اتفاقية فض الاشتباك لعام 1974، والمطالبة بانسحاب إسرائيل الكامل إلى خطوط ما قبل 8 كانون الأول 2024، مع التشديد المطلق على السيادة السورية ورفض أي ترتيبات تقيّد حق دمشق في بناء جيشها وتحديد تحالفاتها الإقليمية، لا سيما مع الجانب التركي الشريك في إعادة الإعمار.
ثالثاً: ملف النازحين والعلاقات البينية.. بين الإجراءات والهواجس
يرتبط ملف إعادة هيكلة الداخل السوري ارتباطاً وثيقاً بملف النازحين السوريين في لبنان. الخطوات الرسمية اللبنانية الأخيرة لتنظيم العلاقات مع دمشق، وتسهيل الأطر القانونية عبر محاولات شطب بعض القيود الأمنية القديمة، تعكس رغبة حكومية جادة في تسييل التفاهمات الثنائية لتسريع العودة الممنهجة.
إلا أن هذه الخطوات تصطدم بهواجس داخلية لبنانية مشروعة (تعبّر عنها الحملات الوطنية والهيئات الأهلية)، والتي تحذر من مغبة المقاربات الجماعية، وتطالب بالتدقيق الفردي الصارم لحماية الأمن القومي. هذا التجاذب الداخلي يشير إلى أن ملف العودة سيبقى خاضعاً لميزان دقيق يوازن بين الإنماء وصون السيادة.
رابعاً: الاقتصاد والمال كأدوات اشتباك بديلة
لم يعد الصراع الإقليمي مقتصراً على حركة المدافع والقذائف، بل انتقل بثقله إلى الميدان المالي عبر ما يمكن تسميته بـ”حرب المضائق والعقوبات”. الضغوط المالية الدولية، ومطالبة المؤسسات اللبنانية بالامتثال الكامل للأنظمة المصرفية العالمية لمنع التهريب المالي عبر الحدود، تفرض قواعد اشتباك قاسية تجعل من الاستقرار النقدي جزءاً لا يتجزأ من الأمن القومي. هذا الواقع يدفع عواصم المنطقة، ومن بينها بيروت، إلى تفعيل دبلوماسيتها بحثاً عن “مظلات أمان دولية” واقتصادية تقي عواصمها الانهيار بظل الأزمات العالمية الراهنة.
الخلاصة: خيارات التسوية تتقدم على الحرب الشاملة
بناءً على المشهد العام، ورغم استمرار الخروقات والقصف المدفعي الموضعي المستمر على القرى والبلدات الحدودية، فإن القراءة الإستراتيجية العميقة تؤكد أن العالم والإقليم تجنبا بنجاح خيار الانزلاق نحو حرب شاملة مدمرة.
كافة القوى الإقليمية والدولية الفاعلة باتت مقتنعة بأن كلفة الحرب أكبر بكثير من كلفة التسوية. بناءً عليه، فإن المرحلة المقبلة ستكون مرحلة “عض أصابع” دبلوماسي، تُنتزع فيها المكاسب على طاولة المفاوضات الإقليمية الكبرى، لتولد من رحم هذه الأزمات خارطة نفوذ جديدة تثبت الاستقرار الطويل الأمد في المنطقة.
