منذ عقود، أطلقت فصائل ونخب سياسية فلسطينية على نفسها صفة «اليسار»، ورفعت شعاراته، وأطلقت الخطابات الرنّانة، وردّدت ما قاله ماركس وإنجلز ولينين وماو تسي تونغ، ورفعت صور تشي غيفارا، واتخذت من التجارب الفيتنامية والكمبودية والكورية والكوبية نماذج لها، لتمنح نفسها صفة «اليسار».
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
وعندما أطلقت بعض الفصائل الفلسطينية على نفسها صفة «اليسار»، كانت تعني بذلك أنها تقف على يسار اليمين، وكانت، في السر والعلن، تقصد أن اليمين هو حركة «فتح». ولأن حركة «فتح» كانت تقود منظمة التحرير الفلسطينية، فقد اعتبرت هذه الفصائل نفسها يسارًا داخل منظمة التحرير، في مواجهة ما أطلقت عليه «اليمين الفلسطيني».
وبعد عقود من الزمن، ورغم استمرارها في رفع شعارات اليسار، والعلم الأحمر، وحتى المنجل والمطرقة، تحولت تلك الشعارات إلى عبارات جوفاء، فارغة من مضمونها. فاليسار الثوري، المناهض للاحتلال، والذي كان يرى في ميادين المواجهة والتمسك بالكفاح الشعبي المسلح طريقًا لدحر الاحتلال وتحرير الأرض امحتلة، أصبح يكتفي بشعار ثوري من دون فعل ثوري جاد وفاعل. وعلى الصعيد الداخلي الفلسطيني كان اليسار الذي يضع نفسه في مواجهة انحراف «اليمين»، كما كان يدّعي، فقد أصبح اليوم في حضن من كان يطلق عليه «اليمين». بل أصبح اليسار الفلسطيني أشبه بالأعشاب البرية التي تنمو على ضفاف «اليمين»، وتبحث عن حصة مالية هنا، أو موقع سياسي أو نقابي هناك.
صحيح أن الزمن تغيّر كثيرًا، وأن أساليب النضال والثورة لم تعد، ولن تعود، كما كانت، ومن المؤكد أن طبيعة المرحلة اختلفت عما كانت عليه في سنوات المدّ الثوري. لكن المبادئ تبقى مبادئ؛ تلك التي استشهد من أجلها عشرات الآلاف من الشهداء، وسارت خلفها قطاعات واسعة من الشعب، مؤمنة بأنها طريق النصر والتحرير والعدالة والحرية.
وصحيح أيضًا أن الوحدة الوطنية ضرورة لا بد منها لتحقيق النصر، ومواجهة التحديات، ودحر الاحتلال. لكن من المعيب تشويه الوعي الشعبي؛ فمرةً يتهم البعضُ بعضَهم الآخر بالخيانة والانحراف والخروج عن الصف الوطني وخدمة أجندات خارجية، ومرةً أخرى نتباكى على الوحدة الوطنية.
لقد أكد «اليسار» الفلسطيني في أدبياته وخطابه أن خلافه مع ما أطلق عليه «اليمين» لم يكن خلافًا سياسيًا فحسب، بل كان خلافًا فكريًا وفلسفيًا وأيديولوجيًا. وعلى مذبح هذه الخلافات والصراعات والانقسامات والانشقاقات، قدّم شعبنا أغلى التضحيات، وربما أكثر مما قدّمه في ميادين القتال مع العدو الصهيوني.
أبلغني أحد الأصدقاء أن إحدى كوادر الفصائل التي تلوّنت بـ«اليسار» شاركت في مؤتمر هدف إلى تشكيل قيادة بديلة لمنظمة التحرير الفلسطينية. وهي اليوم، في أحضان من أطلقت عليه «اليمين»، تتسوّل موقعًا سياسيًا أو ثقافيًا.
يسار في حضن اليمين
للأسف، لم يبقَ من اليسار الفلسطيني إلا شعارات فارغة المضمون. وهي اليوم،مشرذمة ومنقسمة على نفسها وأقرب إلى من كانت تدّعي أنهم «اليمين» ولم يعد اليسار نفسه يعرف أين تقع جهة اليمين وأين تقع جهة اليسار.
وعلى من أطلقوا على أنفسهم صفة «اليسار» الفلسطيني أن يخلعوا القناع الذي أسهم في تشويه المعاني والمفاهيم، وأن يعيدوا النظر في حقيقة ما تبقّى من مشروعهم، بعيدًا عن الشعارات التي فقدت مضمونها، وعن المواقع والمكاسب التي اختزلت مشروعًا كان يفترض أن يكون مشروعًا للتحرر والعدالة والكرامة الوطنية.
