غنى شريف ترد على عبد الهادي محفوظ: السلم الأهلي ليس إنجازاً لخطاب واحد وبري صمام أمان بوجه الفتنة.
ردّت الكاتبة السياسية غنى شريف على مقال رئيس المجلس الوطني للإعلام عبد الهادي محفوظ، معتبرة أن مقاربة السلم الأهلي والحوار تحتاج إلى نقاش أعمق بعيداً عن تقديم خطاب سياسي واحد كطريق للخلاص . وأكدت أن تثبيت الأمن الداخلي هو مسار شاركت في حمايته قوى لبنانية عدة، وفي مقدمتها رئيس مجلس النواب نبيه بري في إدارة التناقضات ودرء الفتنة
وجاء في الرد :
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
مع كامل الاحترام للدكتور عبد الهادي محفوظ، أعتقد أن مقاربة ما ورد في مقاله تحتاج إلى نقاش أعمق، خصوصاً في ما يتصل بتقديم مقاربة الرئيس العماد جوزاف عون وكأنها الطريق الأوضح إلى حماية السلم الأهلي وفتح مساحة الحوار.
فالسلم الأهلي لا يُقاس بالكلمات والشعارات وحدها، بل بالسياسات والمواقف التي تُتخذ في لحظة الانقسام والخطر. والرئيس عون أعلن بوضوح أن التفاوض مع إسرائيل هو خياره، وأنه مستعد للاستمرار فيه برعاية أميركية، كما تحدث عن اتفاق عدم اعتداء أو اتفاق أمني وعن إنهاء حالة العداء مع إسرائيل. وهذه مواقف معلنة وليست قراءة أو تأويلاً من أحد.
ومن هنا، يصبح من المشروع طرح السؤال: هل يمكن بناء حوار وطني حقيقي فيما تُطرح المقاومة بوصفها المشكلة الداخلية الأساسية، ويُدفع باتجاه مقاربتها من خلال التفاوض والضغط السياسي، فيما لا تزال إسرائيل تحتل أرضاً لبنانية وتواصل اعتداءاتها؟
أما القول إن الاستقواء بالخارج هو أحد أسباب الانقسام، فيستوجب أيضاً قراءة كل أشكال الارتهان الخارجي بالميزان نفسه، لا أن يصبح الخارج مقبولاً عندما يكون راعياً لمسار تفاوضي معين، ومرفوضاً عندما يأتي في سياق آخر.
والأهم أن الحديث عن السلم الأهلي في لبنان لا يمكن أن يتجاوز تجربة السنوات الماضية ودور الرئيس نبيه بري في إدارة التناقضات الداخلية ومنع انزلاقها إلى مواجهة أهلية. وحتى الرئيس عون نفسه أقرّ علناً بدور الرئيس بري في درء الفتنة، مشيراً إلى أن الجميع متفق على منع الفتنة والمساس بالجيش.
لذلك، إذا أردنا أن ننصف الوقائع، فإن تثبيت الأمن الداخلي وإبعاد شبح الحرب الأهلية ليسا إنجازاً يُنسب إلى خطاب سياسي واحد أو إلى مرحلة واحدة، بل هو مسار شاركت في حمايته قوى وشخصيات لبنانية، وفي مقدمتها الرئيس نبيه بري الذي بقي، في مراحل شديدة الحساسية، مساحة للتواصل والحوار ومنع تحويل الخلاف السياسي إلى صراع داخلي.
ومن هنا، لا أعتقد أن الإنصاف يقتضي تلميع صورة أي رئيس أو تقديم مقاربته باعتبارها طريق الخلاص، بل يقتضي وضعها أمام الوقائع والأسئلة الصعبة: ماذا يفعل الحوار إذا كان طرف لبناني يُعامل كجزء من المشكلة لا كشريك في صياغة الحل؟ وكيف نحمي السلم الأهلي إذا تحوّل الخلاف حول المقاومة وسلاحها إلى عنوان للاستقطاب الداخلي؟ وأين تقف حدود التفاوض عندما يكون الطرف الآخر هو إسرائيل؟
الحوار الحقيقي لا يبدأ بتحديد من هو الوطني ومن هو الخارج عن الإجماع، ولا ببناء الدولة على حساب مكوّن أساسي من مكونات المجتمع، بل يبدأ بالاعتراف بأن لبنان لا يُحمى بإقصاء طرف ولا باستدعاء الخارج، وإنما بتفاهم لبناني يحفظ السيادة ويمنع الفتنة ويصون حق لبنان في مواجهة الاحتلال والعدوان.
ولهذا، فإن مقاربة الرئيس بري للسلم الأهلي والحوار تستحق أن تُقرأ لا كاستثناء في التاريخ السياسي اللبناني، بل كتجربة عملية في إدارة الانقسام ومنع تحوله إلى حرب داخلية.
وهذا ما كتبه رئيس المجلس الوطني للإعلام عبد الهادي محفوظ:
في تفسير مقاربة الرئيس عون “مساحة الحوار وعدم الاستقواء”
يوما بعد يوم يثبت الرئيس العماد جوزاف عون أنه صاحب رؤية بعيدة لانقاذ “الوطن الصغير” مما هو فيه من أزمات داخلية عاصفة ومن وضع متفجر بسبب الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الجنوبية الحدودية ولسياسات الهدم والتهجير. فهو مضى في خيار التفاوض مع اسرائيل برعاية أميركية وربط ذلك بخطوط حمر وثوابت لبنانية عليها إجماع اللبنانيين. واشتغل على تفكيك “التخادم” الاسرائيلي والتوتير الطائفي الداخلي. كما أدرك ظاهرة الاستقواء بالخارج على الداخل اللبناني. وحدد بوضوح بأن “الوطن لا يُبنى بفئة واحدة ولا بطائفة واحدة ولا بحزب واحد. وقدرنا أن نعيش معا والحقد لا يبني وطنا والانقسام لا يخدم إلا من يريد للبنان أن يبقى ضعيفا. أما الحوار فهو من يبني الثقة بين أبناء الوطن الواحد”.
مقاربة الرئيس العماد جوزاف عون تستلهم تجربتين سابقتين لبناء الدولة. واحدة جاءت “من فوق” من داخل الدولة قام بها الرئيس الراحل اللواء فؤاد شهاب مرتكزا على المؤسسة العسكرية اللبنانية التي كان يرأسها وعلى التفاهم الأميركي-المصري لإنهاء الحرب الأهلية. والثانية جاءت “من تحت” من المجتمع الأهلي عبر السيد الإمام موسى الصدر الذي سعى إلى قيام “متّحد اجتماعي” لبناني يحقق فكرة المواطنة اللبنانية ويحدث التغيير والإصلاح باعتبار أن العلة الأساسية تقيم في النظام السياسي الطوائفي.
“الحوار هو من يبني الثقة بين أبناء الوطن الواحد”. والرئيس هنا لا يقصد فقط الحوار داخل الطبقة السياسية الطوائفية وحدها وإنما في “شمولها أطرافا وشرائح لبنانية أكثر تنوّعا فتتحوّل إلى مساحة وطنية حقيقية للحوار وتنقية الذاكرة من الأحقاد”.
والشرائح اللبنانية المتنوّعة “المقصودة” هي النخب الفكرية والثقافية والاجتماعية ومؤسسات المجتمع الأهلي والنقابات والمحامين والمهندسين والأطباء والاعلاميين وممثلي الأطراف اللبنانية البعيدة والشباب والمرأة ودعاة فكرة المواطنة الحقيقية والمؤسسات العسكرية والأمنية و”أهل الصمت” والمتضررين من البطالة والمافيات المختلفة المتحكّمة.
وبالتأكيد فإن هذا التنوّع من شرائح الحوار هو الطريق إلى وحدة وطنية تُنتج قراءة مشتركة للسيادة والصديق والعدو وتعكس إيجابا فكرة التعدد والتنوّع.
ولا يقول الرئيس العماد جوزاف عون كلامه جزافا. فهو ربطه بقراءة أوسع لوضع المنطقة ومتغيّراتها وللتحوّلات العميقة فيها ولموقع لبنان المحتمل وتجنيبه الإنعكاسات السلبية. وهذا غير ممكن خارج التأسيس لرؤية لبنانية من دون الارتهان للعامل الخارجي وحساباته الأحادية.
والقراءة الأوسع المشار إليها هي قراءة متفائلة لمسارات التفاوض بعد الانتخابات الاسرائيلية. فالسفير الأميركي ميشال عيسى اللبناني الأصل يعمل جاهدا بالتنسيق مع الرئيس جوزاف عون لنهايات إيجابية للبنان في الجنوب. ذلك أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يرتقب بعد الإنتخابات الاسرائيلية أجوبة اسرائيلية تلبّي الطلبات الأميركية-اللبنانية بما يتلاءم مع الخطوط الحمر اللبنانية خصوصا وأن سيد البيت الأبيض يرتقب مخارج ديبلوماسية للمسار الأميركي-الايراني ما ينعكس بدوره إيجابا على لبنان الذي يحتل أهمية خاصة مستقبلا لواشنطن في العلاقة مع المنطقة ومحيطها. وكل ذلك يُمهّد المجال بعد فترة لطاولة مستديرة موسّعة للحوار والنقاش في الآفاق المفتوحة “للوطن الصغير”. فلبنان الرسمي كان قد أبلغ واشنطن بأنه مع اتفاق أمني” إذا نفّذت اسرائيل انسحابها العسكري كاملا من الجنوب اللبناني وأوقفت اعتداءاتها عليه وحررت أسراه وفسحت المجال أمام الإدارة الأميركية والسلطة اللبنانية لإعادة النازحين وانتشار الجيش اللبناني حتى الحدود وإعمار الجنوب. كما يمكن لهذا “الإتفاق الأمني” أن يكون مدخلا لسلام أوسع استنادا لمبادرة السلام العربية السعودية وإلى القرارين ٢٤٢ و٣٣٨.
ختاما يتميّز الرئيس اللبناني العماد جوزاف عون بمصارحته اللبنانيين في مسألة كيف يفكّر وماذا يتوقع وفي رغبته في بناء دولة المواطنة وما تستوجبه من إصلاح سياسي وإداري. وهو بذلك يفتح باب الحلم للّبنانيين وطريق الخلاص لا باب الجحيم ولا طريقه.
