لبنان يتغيّر ديموغرافيًا… الزواج يتراجع، والطلاق يرتفع، والولادات تدخل مرحلة جديدة
بين 2022 و2026… أرقام تكشف تحوّلًا في شكل الأسرة اللبنانية
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لم يعد التغيّر الذي يطال الأسرة اللبنانية مجرد انطباعات أو أحاديث اجتماعية. فالأرقام تكشف خلال السنوات الأخيرة تحولات واضحة في الزواج والطلاق والولادات، في وقت يواجه فيه لبنان أزمة اقتصادية واجتماعية متواصلة، إلى جانب الهجرة والحروب والنزوح.
لكن قراءة هذه الأرقام تحتاج إلى دقة: فالطلاق لا يرتفع كل عام، والولادات اللبنانية المسجّلة لم تنخفض بين 2022 و2025، بل ارتفعت في 2025 بعد تراجع في 2024. وفي المقابل، فإن الاتجاه الطويل الأمد منذ 2011 يشير بوضوح إلى تراجع الزواج والولادات مقارنة بما كان عليه لبنان قبل سنوات.
الولادات… تراجع طويل الأمد وارتفاع مفاجئ في 2025
بلغ عدد الولادات اللبنانية المسجّلة:
2022: 62,868 ولادة
2023: 66,866 ولادة
2024: 65,209 ولادات
2025: 70,986 ولادة
وبذلك ارتفع عدد الولادات اللبنانية المسجّلة بين 2022 و2025 بنحو 12.9%.
لكن هذه الزيادة لا تعني أن أزمة الخصوبة انتهت.
فعند النظر إلى المسار التاريخي، نجد أن عدد الولادات اللبنانية المسجّلة كان 85,453 ولادة عام 2015، مقابل 70,986 في 2025، أي انخفاض يقارب 17% خلال عقد.
أما عام 2024، فقد شهد تراجعًا واضحًا مقارنة بعام 2023، قبل أن تسجل الولادات قفزة في 2025.
وهنا تظهر مفارقة ديموغرافية مهمة: لبنان لا يسير في خط نزولي ثابت، وإنما يشهد تراجعًا طويل الأمد تتخلله ارتفاعات مؤقتة.
ماذا عن إجمالي الولادات في لبنان؟
عند احتساب إجمالي الولادات الحية المسجلة لدى وزارة الصحة، بما فيها مختلف الجنسيات، تبدو الصورة مختلفة:
2022: 97,232 ولادة
2023: 94,153 ولادة
2024: 91,150 ولادة
2025: 80,750 ولادة
أي أن إجمالي الولادات تراجع بين 2022 و2025 بنحو 17%.
وهذا الاختلاف بين الرقمين مهم جدًا.
فالرقم الخاص بالولادات اللبنانية المسجّلة لدى الأحوال الشخصية ليس هو نفسه الرقم الإجمالي للولادات الحية التي ترصدها وزارة الصحة.
لذلك، فإن عبارة «الولادات في لبنان انخفضت بنسبة 17%» تحتاج إلى توضيح بأنها تشير إلى إجمالي الولادات الحية، وليس إلى الولادات اللبنانية المسجّلة لدى وزارة الداخلية.
2025… سنة كسرت الاتجاه المتوقع
عام 2025 كان استثنائيًا.
فبعد أن تراجعت الولادات اللبنانية من 66,866 في 2023 إلى 65,209 في 2024، قفز العدد إلى 70,986 ولادة في 2025.
ويُطرح في التحليل الديموغرافي احتمال أن يكون هذا الارتفاع مرتبطًا بما يعرف بـ «جيل الصدى»، أي وصول جيل كبير نسبيًا إلى سن الزواج والإنجاب، إضافة إلى احتمال أن تكون بعض الولادات التي تأخر تسجيلها خلال فترة الحرب والنزوح قد ظهرت في أرقام 2025.
لذلك، لا يمكن اعتبار ارتفاع 2025 وحده بداية انعكاس نهائي للاتجاه الديموغرافي.
السنوات المقبلة ستكون الحاسمة لمعرفة ما إذا كان الارتفاع مستمرًا أم مؤقتًا.
الزواج… من 40 ألف حالة إلى مستويات أدنى بكثير
إذا كانت الولادات هي النتيجة، فإن الزواج هو أحد المؤشرات الأساسية التي تسبقها.
فلبنان الذي سجل 40,232 زواجًا عام 2011 شهد بعد ذلك مسارًا عامًا من التراجع.
وفي السنوات الأخيرة، تأثرت الزيجات بشكل مباشر بالأزمات.
عام 2019، بلغ عدد الزيجات المسجلة 34,076 زواجًا.
ثم تراجع العدد عام 2020 إلى 29,493، في ظل الأزمة الاقتصادية والإغلاق المرتبط بجائحة كورونا.
وفي 2021 عاد العدد إلى 33,661 زواجًا.
لكن عام 2024 شهد ضربة جديدة، مع الحرب والنزوح، فسُجلت 25,628 حالة زواج فقط.
أي انخفاض بنحو 16% تقريبًا مقارنة بعام 2023، بحسب البيانات الديموغرافية المتاحة.
ثم عاد الزواج إلى الارتفاع في 2025.
وهذا يؤكد أن الأحداث الكبرى في لبنان لا تؤثر فقط على الاقتصاد، بل تصل إلى قرارات الناس الأكثر خصوصية: متى يتزوجون؟ وهل يستطيعون تأسيس منزل؟ وهل يستطيعون الإنجاب؟
الطلاق… الرقم لا يرتفع كل سنة، لكن الاتجاه الطويل مختلف
في المقابل، تبدو حركة الطلاق مختلفة.
بلغ عدد حالات الطلاق:
2022: 7,987 حالة
2023: 8,541 حالة
2024: 6,894 حالات
2025: 7,823 حالة
وكان عام 2023 الأعلى ضمن هذه الفترة، مع 8,541 حالة طلاق.
أما في 2024 فانخفض الرقم إلى 6,894، قبل أن يعود ويرتفع عام 2025 إلى 7,823.
وهذا يعني أن الطلاق لم يرتفع بصورة متواصلة بين 2022 و2025.
لكن عند توسيع العدسة إلى السنوات السابقة، تصبح الصورة مختلفة.
فعدد حالات الطلاق ارتفع من 6,122 حالة عام 2011 إلى 7,823 حالة عام 2025، أي زيادة تقارب 28% خلال هذه الفترة.
وهنا يظهر التناقض:
الزواج يتراجع على المدى الطويل، بينما الطلاق أصبح أعلى مما كان عليه قبل أكثر من عقد.
هل صحيح أن ربع الزيجات في لبنان تنتهي بالطلاق؟
هذه واحدة من أكثر العبارات تداولًا عند الحديث عن الأسرة اللبنانية.
لكن حسابها بهذه الطريقة ليس دقيقًا ديموغرافيًا.
فلا يمكن مثلًا أخذ عدد حالات الطلاق في سنة معينة وقسمته على عدد الزيجات في السنة نفسها، ثم القول إن الناتج يمثل نسبة الزيجات التي انتهت بالطلاق.
فالزوجان اللذان انفصلا عام 2025 ربما تزوجا قبل سنة، أو خمس سنوات، أو عشرين سنة.
لذلك، فإن معرفة النسبة الحقيقية تتطلب تتبع الزيجات عبر السنوات لمعرفة كم منها انتهى بالطلاق.
لكن ما يمكن قوله استنادًا إلى الأرقام هو أن هناك تراجعًا طويل الأمد في الزواج، مقابل ارتفاع واضح في عدد حالات الطلاق مقارنة بعام 2011.
لماذا يتراجع الزواج؟
خلف هذه الأرقام تقف عوامل متعددة.
الأزمة الاقتصادية
الزواج في لبنان أصبح يحتاج إلى قدرة مالية كبيرة: منزل، إيجار أو قرض، أثاث، مصاريف الزواج، ثم نفقات الأطفال والتعليم والصحة.
ومع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف الحياة، أصبح تأسيس الأسرة أكثر صعوبة بالنسبة إلى شريحة واسعة من الشباب.
الهجرة
الشباب الذين يغادرون لبنان لا يخرجون فقط من سوق العمل، بل يخرجون أيضًا من الدورة الديموغرافية المحلية.
فالشاب أو الشابة الذين يهاجرون في سن الزواج قد يتزوجون وينجبون خارج لبنان، وبالتالي لا تظهر ولادات أطفالهم ضمن الأرقام اللبنانية بالطريقة نفسها.
وتشير تقديرات ديموغرافية حديثة إلى أن لبنان شهد خلال السنوات الأخيرة خروج عشرات الآلاف من الأشخاص سنويًا.
الحرب والنزوح
الحرب لا تؤدي فقط إلى تدمير المنازل والمؤسسات.
إنها تؤجل أيضًا القرارات الشخصية.
الزواج قد يتأجل، والحمل قد يؤجل، وتسجيل الوقائع الرسمية قد يتأخر، فيما قد تضطر العائلات إلى الانتقال من منطقة إلى أخرى.
وهذا ما ظهر بوضوح في أرقام 2024.
انخفاض الولادات… ماذا يعني للبنان؟
انخفاض الولادات ليس مجرد رقم في سجلات المستشفيات.
فعندما يقل عدد الأطفال الذين يولدون اليوم، فإن تأثير ذلك يظهر بعد سنوات في المدارس، ثم الجامعات، ثم سوق العمل.
ومع مرور الوقت، يصبح المجتمع أمام عدد أقل من الأطفال والشباب مقارنة بعدد كبار السن.
وهذا يؤدي تدريجيًا إلى تغيير الهرم السكاني.
والأخطر أن انخفاض الولادات يترافق مع عامل آخر: الهجرة.
أي أن لبنان لا يواجه فقط ولادات أقل في بعض السنوات، بل يخسر أيضًا جزءًا من شبابه عبر الهجرة.
2026… سنة الانتظار
حتى أيلول 2026، لا يمكن تقديم رقم سنوي نهائي للولادات أو الزواج أو الطلاق لعام 2026، لأن السنة لم تنتهِ بعد.
لذلك، فإن أي رقم يُقدم باعتباره «حصيلة 2026 كاملة» يحتاج إلى تدقيق شديد.
الأرقام المتاحة حتى الآن تسمح بقراءة الاتجاه بين 2022 و2025، بينما تحتاج سنة 2026 إلى بيانات مكتملة حتى يمكن مقارنتها بالسنوات السابقة بصورة عادلة.
لبنان أمام معادلة ديموغرافية جديدة
الأرقام لا تقول إن اللبنانيين توقفوا عن الزواج، ولا إن الطلاق أصبح مصير معظم الأسر.
لكنها تقول شيئًا أكثر عمقًا:
الأسرة اللبنانية نفسها تتغير.
عدد الزيجات أقل مما كان عليه قبل عقد.
عدد حالات الطلاق أعلى من مستويات 2011.
إجمالي الولادات الحية تراجع بوضوح بين 2022 و2025.
والولادات اللبنانية المسجّلة، رغم ارتفاعها في 2025، ما زالت أقل بكثير من مستويات العقد الماضي.
وفي الوقت نفسه، تستمر الهجرة في استنزاف جزء من الفئات الشابة.
وهنا يصبح السؤال أكبر من مجرد أرقام:
إذا كان الشاب اللبناني يؤجل الزواج، وإذا تزوج يؤجل الإنجاب، وإذا قرر الهجرة غادر البلد مع عائلته أو أسس عائلته في الخارج… فمن سيكون لبنان بعد عشرين عامًا؟
قد لا تظهر الإجابة اليوم.
لكنها بدأت تظهر في أرقام الولادات والزواج والطلاق.
لبنان لا يشهد فقط أزمة اقتصادية أو سياسية؛ إنه يشهد تحولًا ديموغرافيًا قد يعيد رسم شكل المجتمع اللبناني في السنوات المقبله.
