بقلم: محمد غزالة (رئيس تحرير شبكة الزهراني الإخبارية)
أثارت زيارة رئيس الحكومة الدكتور نواف سلام إلى مدينة النبطية، وهي الثالثة له لعاصمة الجنوب وتأتي مباشرة عقب عودته من واشنطن، انقساماً واضحاً في الرأي العام بين مرحّب ورافض، وسط نقاشات حول نشاطاتها الأمنية والإنمائية، ولا سيما خطوة وضع حجر الأساس لمبنى مصرف لبنان المدمر. وأمام هذا التباين، يبرز تحليل عقلاني لا يمكن لأي قراءة وطنية منصفة إلا أن تتوقف عنده لتفكيك خلفيات هذا الحراك الحكومي.
في المبدأ، لا يمكن لعاقل إلا أن يتعامل مع الزيارة بمسؤولية تامة والترحيب بها؛ فالدكتور نواف سلام هو رئيس حكومة لبنانية شرعية وميثاقية بنسبة 100%، وتمثّل الدولة الرسمية. لكن، وقبل الحديث عن الزيارات المطلوبة والمستجدة، هناك ثقة مكسورة يجب أن تُرَمم، وهناك علاقة ملتبسة يجب أن توضع أولاً في مكانها الطبيعي. إن أي خطوة حقيقية تجاه أهلنا تقتضي استشارة ممثلي الناس الحقيقيين، والاعتراف بأن هناك حاجات ملحة يجب أن تكون لها الأولوية القصوى، وأعمالاً على الأرض يجب أن تُطَبق لا أن تبقى حبراً على ورق الوعود.
الحقيقة التي لا يمكن القفز فوقها هي أن الثقة بين السلطة المركزية والجنوبيين مفقودة اليوم؛ وبالرغم من وجود مرحبين ومتحمسين للزيارة من باب الحرص على حضور الدولة، وهو حقهم الطبيعي، وقد يكون الفريق المتأني في ترحيبه والمطالب بالضمانات أكثر حماساً من غيره لبناء مؤسسات حقيقية، إلا أن بناء هذه الثقة لن يمر إلا عبر بوابة الاقتراب من أبناء الأرض الحقيقيين. أولئك الصامدون الذين دفعوا دماءهم وأرزاقهم وبيوتهم ثمناً من أجل الجنوب، الذي يمثل اليوم بوضوح وجلاء القضية الأولى والأساسية على المستوى الوطني ككل.
إن الترحيب بالرجل كمسؤول رسمي لا يعني بأي حال من الأحوال التصفيق لقرارات حكومته التي أصابت الجنوب وأهله في الصميم؛ تلك القرارات المجحفة التي ذهبت في بعض محطاتها إلى اعتبار المقاومين “خارجين عن القانون”، وبذلك كأنها قالت في حينه إن الجنوب بأسره، بصموده وتضحيات أبنائه، بات خارجاً عن القانون! إن هذا المنطق غريب ومُدان ومرفوض بكل المعايير والمقاييس الوطنية والأخلاقية.
لقد وافقت هذه الحكومة وذهبت في خطوات تحايلت فيها على المقاومة، لتكون بذلك قد قدمت خدمات مجانية للاحتلال الإسرائيلي، ولعل الشاهد الأكبر على ذلك هو ما سُمي بـ”اتفاق الإطار”؛ هذا الاتفاق الذي لم يتردد رئيس مجلس النواب نبيه بري في وصفه بـ”اتفاق الفتنة”، ونعاه مراراً وتكراراً في أكثر من موقف سياسي حازم لقطع الطريق على مؤامرة تطويق الجنوب ودماء شهدائه.
أما في المقلب الآخر، وبالنسبة للذين يعارضون الزيارة أو يدعون لرفضها، فالواقع يقول إنها زيارة لا تستحق عناء المعارضة أو الرفض، بل على العكس تماماً. فلتأتي الحكومة إلى الجنوب، ليرى رئيسها والوزراء بأم العين، أنها هي التي تمنع نفسها من الحضور، وأنه لا يوجد أحد يمنعها.
هذه السلطة المركزية هي ذاتها التي رفضت في محطات سابقة أن يبقى الجيش اللبناني في الجنوب، بل وطلبت منه الانسحاب لأنه لا يستطيع مقاومة إسرائيل أو رد عدوانها، بدلاً من تعزيز قدراته وصموده إلى جانب أهله. إن هذه الحكومة هي التي خرجت وتأخرت بنفسها عن الجنوب، وهي التي رفضت اتفاقاً ومبادرات إقليمية كان بإمكانها أن لا ترفضها وتتلقفها لتجنب الجنوب وأهله هذه الإبادة المستمرة.
خلاصة القول، إن حجر الأساس الحقيقي الذي يحتاجه الجنوب اليوم ليس مجرد إسمنت يُصب لمبنى مصرفي، بل هو حجر أساس لوعي سياسي رسمي يعترف بتضحيات هذه الأرض، ويكف عن التحايل على المقاومة، ويعيد صياغة مفهوم “الدولة” كحامية لشعبها لا كمتفرجة على مآسيه. أهلاً برئيس الحكومة في النبطية زائراً ومسؤولاً، لكن السياسات والقرارات التي تستهدف كرامة الجنوب ستبقى دائماً تحت مجهر الحساب الوطني والبوصلة الصادقة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
