بعد الفطور… درسٌ في الامتنان وتربية الأبناء
بقلم: حوراء غندور
في الصباح، طلبت ابنتي من أبيها تناول الفطور في أحد المطاعم، فلبّى طلبها، وقضينا وقتًا جميلًا معًا. لكننا، ونحن نستعد للمغادرة، فوجئنا بطلب جديد: أرادت البوظة. ولأنها كانت مريضة، رأى والدها أن يؤجّل تلبية هذه الرغبة، وشرح لها السبب. عندها بدأت بالصراخ والبكاء، ورفضت الخروج قبل الحصول على ما تريد.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
استوقفني هذا المشهد كثيرًا. شعرت بأن فرحة الفطور والوقت الذي قضيناه معًا قد تراجعت أمام رغبة واحدة لم تتحقّق. ووجدت نفسي أمام سؤال تربوي: كيف أساعد ابنتي على تقدير ما يُقدَّم لها، دون أن أتجاهل مشاعرها حين تُحرم مما ترغب فيه؟
أدركت أن هذا الموقف فرصة للتعلّم لي ولها. فالطفل، حين تخيّب آماله، قد تستحوذ عليه مشاعره، فيصعب عليه أن يرى ما سبقها من لحظات جميلة. وبكاؤه في تلك اللحظة لا يكفي للحكم عليه بأنه جاحد؛ إنه يحتاج إلى مساعدتنا ليتعلّم التعبير عن خيبته، وتقبّل الحدود، والانتباه إلى النعم التي تحيط به.
نفهم المشاعر ونحافظ على الحدود
في مثل هذه المواقف، يمكننا أن نقترب من الطفل ونقول بهدوء: «أعرف أنك كنت تريدين البوظة، وأنك حزينة لأننا أجّلناها. يمكنك أن تحزني، لكننا سنغادر الآن».
هذه الكلمات تعترف بمشاعر الطفل، وتُبقي القرار واضحًا. فتقبّل مشاعره لا يعني الاستجابة لكل طلب، كما أن وضع الحدود لا يتطلّب توبيخه أو إحراجه أمام الناس. ومع تكرار هذا الأسلوب، نساعده على فهم أن الحب يبقى حاضرًا حتى عندما تكون الإجابة «لا» أو «ليس الآن».
أما الحديث عن الشكر، فيكون أنسب بعدما يهدأ. عندها نستطيع أن نستعيد معه تفاصيل التجربة: ما الذي أعجبه في الفطور؟ كيف شعر عندما لبّى أبوه طلبه؟ وما الكلمة التي يمكن أن يقولها ليعبّر عن تقديره؟
نعلّم التقدير دون أن نحمّل الطفل دَينًا عاطفيًا
من حق أبنائنا علينا أن نرعاهم ونلبّي احتياجاتهم. ومع ذلك، من مسؤوليتنا أن نعلّمهم ملاحظة الجهد والعناية اللذين يتلقّونهما. نستطيع أن نقول: «بابا خصّص لنا وقتًا اليوم واصطحبنا إلى مكان تحبّينه، ومن الجميل أن نشكره».
بهذه الطريقة، يصبح الشكر تعبيرًا عن المحبة والتقدير. أما تكرار عبارات مثل «بعد كل ما فعلناه من أجلك!» فقد يحوّل الموقف إلى شعور بالذنب، ويُبعد الطفل عن المعنى الذي نريد تعليمه.
نريد لأبنائنا أن يعرفوا أن وراء الوجبة جهدًا، ووراء النزهة وقتًا، ووراء كثير من التفاصيل اليومية أشخاصًا يهتمّون بهم. ونريدهم أيضًا أن يشعروا بأن محبتنا لهم ثابتة، وأننا نساعدهم على النمو خطوةً خطوة.
الامتنان عادة نبنيها كل يوم
لن يتعلّم الطفل الشكر من موقف واحد أو موعظة واحدة. إنه يتعلّمه حين يسمعنا نشكر بعضنا، ونقدّر تعب الآخرين، ونحمد الله على ما لدينا.
ويمكننا، في نهاية اليوم، أن نسأله: «ما الشيء الجميل الذي حدث معك اليوم؟ ومن تحب أن تشكر؟». وحين يعبّر عن تقديره من تلقاء نفسه، نلتفت إلى ذلك ونقول: «أسعدني أنك شكرت أباك؛ لقد انتبهتِ إلى اهتمامه بك».
كذلك، نستطيع أن نعلّمه أن الرغبة لا تستلزم الحصول الفوري على الشيء. فهناك ما نؤجّله، وما ندّخر من أجله، وما نختار الاستغناء عنه. وهذه دروس تُكتسب بالتدرّج، وبحدود واضحة ومتّسقة، وبقدوة يراها الطفل في سلوكنا.
خرجت من ذلك الموقف وأنا أذكّر نفسي، قبل أن أذكّر ابنتي، بأن التربية تحتاج إلى صبر وانتباه. فخلف الصراخ طلبٌ لم يتحقّق، وخلفه أيضًا مهارة لم تتعلّمها بعد: كيف تتعامل مع خيبة الأمل دون أن تفقد رؤية ما هو جميل.
ومن هنا، أذكّر نفسي وجميع الآباء والأمهات: علّموا أبناءكم أن يطمحوا، وأن يعبّروا عن رغباتهم، وأن ينظروا بعين التقدير إلى ما يُقدَّم لهم. علّموهم الشكر بالكلمة والقدوة والممارسة، حتى يتعلّموا أن يقولوا: «كنت أتمنّى المزيد، لكنني ممتنّ لما حصلت عليه».
