الحرب بين أميركا وإسرائيل… من يخشى كلفتها ومن يراهن عليها؟ – غنى شريف
ليست الحروب متشابهة في حساباتها، حتى حين يكون أطرافها في خندق واحد. فالحرب التي قد تتحوّل إلى عبء انتخابي في الولايات المتحدة، يمكن أن تتحوّل إلى رصيد سياسي في إسرائيل، حيث تتقاطع الاعتبارات العسكرية مع حسابات السلطة، وتصبح نتائج المواجهة جزءاً من معركة البقاء السياسي.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
في الولايات المتحدة، لا تُقاس الحروب بميزان القوة العسكرية وحده، بل أيضاً بمدى انعكاسها على حياة الأميركيين ومصالحهم. فالكلفة الاقتصادية، والخسائر البشرية، واستنزاف الموارد، والمخاوف من الانزلاق إلى حرب طويلة، كلها عوامل قد تدفع قطاعات من الرأي العام إلى مساءلة الإدارة الأميركية عن جدوى الحرب وأهدافها. وعندما تتسع دائرة الاعتراض الشعبي، تتحوّل الحرب من عنوان لاستعراض القوة إلى نقطة ضعف سياسية، ويصبح رفضها فرصة أمام المرشحين الذين يسعون إلى استثمار هذا المزاج في مواجهة خصومهم.
ففي النظام السياسي الأميركي، حيث تؤثر توجهات الناخبين في مستقبل الرؤساء والأحزاب، لا يستطيع أي رئيس تجاهل الكلفة الداخلية لقرار عسكري، خصوصاً عندما يشعر المواطن بأن أمواله وأمنه ومستقبله تُستنزف في مواجهة لا يرى لها نهاية واضحة. وهنا قد يجد السياسي الذي يعارض الحرب فرصة لتعزيز موقعه، ليس بالضرورة لأنه يمتلك رؤية أكثر سلاماً، بل لأنه يعبّر عن شريحة من الناخبين باتت ترى في استمرار الحرب عبئاً لا مبرر له.
أما في إسرائيل، فالمعادلة أكثر تعقيداً. إذ يمكن للحرب، في ظروف معينة، أن تتحوّل إلى فرصة أمام المرشحين الذين يتبنون خطاب التصعيد، ويقدّمون أنفسهم بوصفهم الأقدر على مواجهة التهديدات وتحقيق الأهداف الأمنية. وفي مناخ تطغى عليه المخاوف الأمنية، قد يتراجع النقاش حول كلفة الحرب ونتائجها لمصلحة سؤال آخر: من يستطيع إدارة المواجهة؟
وهنا تبرز مفارقة سياسية تستحق التوقف عندها: ما قد يُضعف موقع سياسي أميركي إذا ارتفعت كلفة الحرب في نظر الناخبين، قد يعزّز موقع سياسي إسرائيلي إذا نجح في إقناع جمهوره بأن استمرار المواجهة ضرورة أمنية، أو أن التشدد هو الطريق إلى تحقيق أهدافها.
لكن ذلك لا يعني أن المجتمع الإسرائيلي كتلة واحدة مؤيدة للحرب، أو أن كل حرب تمنح قادة إسرائيل مكاسب انتخابية. فالحروب قد تتحول أيضاً إلى مصدر غضب وانقسام ومساءلة، خصوصاً عندما تتراكم الخسائر، وتتسع الفجوة بين الوعود والنتائج، ويبدأ الجمهور بالتشكيك في قدرة القيادة على تحويل القوة العسكرية إلى إنجاز سياسي وأمني مستدام.
المسألة، إذاً، ليست أن الأميركيين يرفضون الحرب والإسرائيليين يؤيدونها، بل أن لكل نظام سياسي حساباته الداخلية، ولكل مجتمع ظروفه التي تحدد كيف تُترجم الحرب انتخابياً. ففي الولايات المتحدة، قد تكون معارضة الحرب مدخلاً إلى كسب أصوات الناخبين، فيما قد يكون تبنيها في إسرائيل مدخلاً إلى تعزيز الشعبية في ظروف محددة. وفي الحالتين، تبقى النتيجة مرتبطة بمسار الحرب، وكلفتها، ومدى اقتناع الجمهور بأهدافها وجدواها.
غير أن السؤال الأهم يتجاوز صناديق الاقتراع وحسابات المرشحين: هل تُتخذ القرارات العسكرية انطلاقاً من تقدير حقيقي للمصالح الوطنية، أم تصبح المصالح السياسية الداخلية عاملاً مؤثراً في إطالة المواجهات أو توسيعها؟
فعندما تدخل الحرب في حسابات الانتخابات، يصبح من الضروري التمييز بين مصلحة الدولة ومصلحة السلطة، وبين الضرورات الأمنية الفعلية والحاجة السياسية إلى الظهور بمظهر المنتصر. وقد تكون هذه المسافة هي الأخطر، لأنها تجعل مصير المجتمعات مرتبطاً أحياناً بحسابات تتجاوز حدود المعركة نفسها.
في نهاية المطاف، قد تختلف الحسابات بين واشنطن وتل أبيب، وقد تتباين دوافع القيادتين وتقديراتهما للمكاسب والخسائر، لكن الشعوب هي التي تتحمل قسماً كبيراً من أثمان الحرب، فيما يبقى السياسيون أمام امتحان النتائج، لا مجرد الشعارات.
فالحرب قد تكون ورقة انتخابية في حسابات بعض السياسيين، لكنها ليست ورقة على طاولة الاقتراع بالنسبة إلى الشعوب التي تدفع ثمنها؛ إنها واقع يطال أمنها واقتصادها ومستقبلها. وبين رصيد يُحتسب في صناديق الانتخابات وكلفة تُدفع على الأرض، تتكشف المفارقة الحقيقية: قد تنتهي المعركة العسكرية، لكن معركة المصالح السياسية لا تنتهي بالضرورة معها.
