لدى نائب الرئيس الأميركي جيه دي فانس تحفظات كثيرة على صقور الولايات المتحدة الأميركية الذين يدعمون نظرية ذهاب الولايات المتحدة الأميركية إلى حروب في الخارج والذين يعتبرون ايران ’’خطرا استراتيجيا‘‘ منذ الثمانينات. والذين يعتقدون بأن إزالة هذا الخطر بالحرب من الضرورات الأميركية للحفاظ على التحكّم الأميركي بنفط الدول الخليجية العربية والحفاظ على المصالح الأميركية. من هنا يضغط ’’الصقور‘‘ على الرئيس الأميركي دونالد ترامب لضرب ’’جبل الفأس‘‘ بأم القنابل وحتى بقنابل تكتيكية نووية. وهذا التوجّه من ’’الصقور‘‘ يلجمه حاليا نائب الرئيس الأميركي ويسانده في ذلك الذين يعترضون على الحرب. وكذلك الذين يغلبون شعار ’’أميركا أولا‘‘. وهو شعار كان رفعه سيد البيت الأبيض كعنوان له في انتخاباته الرئاسية قبل أن يستهويه السقوط السريع لفنزويلا ومحاولة تعميم ذلك على ايران باغتيال المرجع الروحي فيها السيد علي خامنئي.
حاليا الرئيس ترامب هو موقع ’’تجاذب‘‘ بين الصقور ودعاة ’’أميركا أولا‘‘. وهو في وضع متردد بين خياري الطرفين. فانفتاحه على موسكو لا يرضي الصقور كما أن تهديده باستخدام ’’أم القنابل‘‘ والذهاب إلى سيناريوهات عسكرية في حرب مدتها ثلاثة أيام لا تلقى بتاتا استحسانا من المعترضين على الحرب. كما أنه لم ينجح في لجم ارتفاع أسعار الديزل والغاز ولا في السيطرة الفعلية على فتح مضيق هرمز بعد ارتفاع وتيرة الهجمات الايرانية على ناقلات النفط الكبيرة وعلى ’’أسطول الظل‘‘ الذي ينقل النفط على مسارات وشبكات معقدة.
واضح أن كل من العاصمتين الأميركية والايرانية تراهنان حاليا على الوقت. وعلى ما يبدو أن مفاوضات الكواليس وعبر الوسطاء أنتجت تحوّلات إيجابية في ’’أفكار‘‘ الطرفين الأميركي والايراني وخصوصا بعد التزام أميركي بتخفيف الضغوط الأميركية والأساليب العسكرية في التعامل. وهنا نقطة الرهان المركزية من الرئيس ترامب والرئيس بزشكيان وحيث تطالب طهران بتوضيحات إضافية للأفكار الأميركية.
وفي المعلومات أن ’’شراء الوقت‘‘ هو من الضرورات الأميركية والايرانية على السواء: ’’ارتخاء‘‘ في التوتر الأميركي-الايراني يعمل عليه جيه دي فانس من الجانب الأميركي والمؤسسة السياسية والديبلوماسية من الجانب الايراني. وهو ’’ارتخاء‘‘ لا يفضي إلى حل قبل الانتخابات الأميركية وإنما إلى تبريد ’’الرؤوس الحامية‘‘. هنا وهناك.
وفي فترة ’’الارتخاء‘‘ هذه يستفيد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين من تهوّر الرئيس فولوديمير زيلينسكي الذي لا يأخذ بتوجيهات الرئيس الأميركي دونالد ترامب ويستمر في قصف المصافي النفطية الروسية وحتى في نقد السياسة الأميركية ومعها شخص الرئيس الأميركي وتحدّيه معتمدا على مزيد من توريط أوروبا في الحرب الروسية-الأوكرانية. كما أن المستفيد الأكبر هو الصين التي تجد في الانفتاح الأميركي عليها نوعا من تعزيز العلاقات الأميركية-الصينية والأخذ في الاعتبار لطروحاتها المستقبلية حول تايوان وبحر الصين والجزر التي هي موقع نزاع مع الفيليبين ولانتشارها الاقتصادي الهادئ في العالم ولعلاقات متوازنة مع موسكو وطهران يمكن أن تجعلها طرفا وسيطا غير منحاز لأي جهة معيّنة.
هذا وكان جيه دي فانس قد تكلّم في فترة سابقة عن ’’مهلة شهرين‘‘ لوقت ضائع بين واشنطن وطهران. وهذه المهلة تنتهي عمليا بعد الإنتخابات الأميركية النصفية بفترة قصيرة. أي عندها تتضح النوايا الفعلية الأميركية بأي اتجاه ستمضي. وفي هذا السياق نتائج الانتخابات تكون عنصرا فاعلا وإن كانت لا تحسم التوجّه الحقيقي للرئيس الأميركي إلا إذا كان الفارق الانتخابي كبيرا بين الحزبين الجمهوري والديموقراطي ولصالح الأخير في مجلس النواب والشيوخ. ذلك أنه في مثل هذه الحالة تتغلّب الاعتبارات الداخلية الأميركية على أي شأن آخر. فهذه فرصة المعارضة الأميركية للكلام عن ارتفاع الأسعار والضمانات الصحية وحرية التعبير والسياسات العنصرية والبطالة.
في كل الأحوال لا أميركا حاليا في هذه ’’اللحظة‘‘ جاهزة لحرب ثالثة ولا ايران لحرب استباقية. علما بأن طهران تلجأ إلى ’’عسكرة المجتمع الأهلي‘‘ تحسّبا مستقبلا لحرب برّية أو لحركة من ’’الداخل الايراني‘‘ للمعارضة المسلحة المدعومة من أكثر من جهة في الخارج الدولي والاقليمي.
ومع ذلك فإن ’’الحرائق‘‘ التي تشتعل في أكثر من مكان في المنطقة وتؤدي إلى انخراط أطراف إقليمية فيها سواء في اليمن أو القرن الافريقي والبحر الأحمر والسودان وأثيوبيا والصومال. إن هذه ’’الحرائق‘‘ ما لم يتم إطفاؤها فإنها تتجاوز بأبعادها الحرب الأميركية-الايرانية وتجعل التحكّم بها أصعب من أن تنجح به جهة دولية واحدة أو اقليمية متعددة.
ختاما تفترض ’’حرائق‘‘ المنطقة معالجات سريعة وسلمية قبل أن تنتهي بانفجارات نفطية كبيرة واستعصاءات على الحلول وتغييرات في الجغرافيا السياسية.
– عبد الهادي محفوظ : رئيس المجلس الوطني للإعلام .
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
