عندما تبتلع “الحارات الطائفية” مقاصد الوطن الجامعة- بقلم شوقي متيرك
يستوقف الناظر في اجتماعنا الوطني ظاهرة يبدو أنها أضحت مستفحلة في نسيج العلاقات الجمعية؛ ونعني بها الانسلاخ التام عن قيم الصدق ومبادئ العدالة والإنصاف المستنير.
وليس المقام هنا الإضاءة على بُعد هذه الظاهرة الأخلاقي فحسب، بقدر اكتناه تداعياتها على صحة المجتمع سواء قيمياً أو نفسياً أو فكرياً. فمجتمع دون واعز أخلاقي ينسج أسس التضامن والتعاضد بين أفرقائه المختلفين، هو مجتمع محكوم بالتشظي والفِرقة والانهيار المؤسساتي.
وهذا الأمر ليس تأويلاً نظرياً جافاً، بقدر ما هو نتيجة حتمية لانعدام المبادئ القيمية التي تشد المجتمع بغائية الإصلاح المنشود، وتؤسس لناظم فكري وسياسي وتنموي تُطلق من خلاله عجلة التقدم والرقي والازدهار في كافة مفاصل هذا الاجتماع الإنساني.
وهم “الالتقاء الفيزيائي” وأزمة الصالح العام
وفي هذا المقام، فإن غياب ركيزة التعاون الحقيقي بين هذا النسيج المختلف المكوّن لاجتماعنا اللبناني، أضحى سِمة سلبية طاردة لإمكانيات بناء ما يصطلح على تسميته بـ “الصالح العام المؤسساتي”، وهذا ما تفتقده للأسف الحياة العامة في لبنان.
إذ إن الصالح العام ينطلق من الإطار الضيق—ونعني به الخلفية المناطقية والطائفية والمذهبية—إلى الإطار العام الوطني، دون أن يكون منطلِقاً بداهة من البُعد الوطني التأسيسي كمصطلح فكري جامع وحدوي نزولاً إلى الخاصية المناطقية والهوياتية والفكرية.
“إن غاية الاجتماع الوطني ليست هي الالتقاء الفيزيائي بين مكونات بشرية مختلفة الرؤى والأهداف في حيّز جغرافي محدد”
فالكيانية اللبنانية التي نشأت من رؤية تفلسف الاجتماع الوطني الخاص على أنه التقاء جماعات متفرقة لها خصوصيات ثقافية ودينية مختلفة وارتضاؤها العيش تحت سقف وطني واحد يظللها، ليست—باعتقادنا المتواضع—الترياق الصحيح لأمراضنا الوطنية المستعصية. لكون هذا الاجتماع يبقى فاقداً لجوهر مشروعيته الذاتية، ونعني به النظرة الوطنية الجامعة.
وهذا الأمر ليس ثانوياً البتة، بقدر ما يشي ويعبّر عن إرهاصات تأويلية خاطئة لفلسفة بناء أسس المواطنية الحقة، وتعبير حقيقي عن مقومات وطن واكتمال دولة تنبني على دعائم المؤسسات، وليس على فكرة “الزعيم الطائفي المستولد لفكرة الوطن”.
التعلق الأجوف وإجهاض الدولة المشتركة
إن النظرة الخاطئة لاجتماعنا الوطني تكمن في إحلال التعلق الأجوف باختلافنا الفكري واجتماعنا المذهبي الضيق محل الصالح العام العابر لهذه الاختلافات. وهذا برأينا هو الذي قوّض أسس بناء ناظم دولتي مشترك على حساب تعويم نظريات الاكتفاء بحراك الطوائف ورؤيتها الاقتصادية والاجتماعية وجعلها هي المحرك لبناء المؤسسات العامة.
فجاءت تجربة الحرب الأهلية وما بعدها تعبيراً حقيقياً وأليماً، في الوقت عينه، عن انعدام الرؤية الوطنية السليمة، وإجهاضاً لإمكانيات كانت واعدة في إعادة تأسيس دولة تقوم على منتظم حقوقي وقيمي وأخلاقي جامع.
نحو ثورة معرفية: الآخر مرآتنا وليس العدو
ان الخروج من ربقة هذا التشظي الذي نعيش في رحمه كأفراد ومكونات اجتماعية، لا يمكن أن يتحقق على أرض الواقع إلا بإعادة تصويب منهج تفكيرنا بجوهر وجودنا وغائية حضورنا في هذا الوطن.
وهي دعوة لكل مكون وطني إلى استلهام رؤى جديدة وطرائق معرفة تثويرية بطبيعتها وخاصيتها، بغية جعل قابلية العيش والتفاعل الحضاري في حيزنا العام منطلقاً لنهضة ثقافية وفكرية جديدة، ترسم خرائط ذهنية في عصبونات تفكيرنا الخاص نحو الآخر الذي يشاركنا خاصية الحياة بتفاعلاتها كافة دون كثير اختلاف.
فمقاصد الوطن أعلى وأجلّ من حاراتنا الطائفية الضيقة، وهمومنا المشتركة من المأكل والمشرب وكيفية تدبير الحياة والتغلب على صعوباتها المادية هي أعمق بكثير من سعادة موهومة ومبتذلة ببقاء الحاكم الزعيم يصرّف شؤون الرعايا والقطيع، وكأن بقاءه وديمومته هو خلاصنا وباب نلج من خلاله إلى وطن سليم معافى.
وهو للأسف الشديد، سراب تعلُّق بخوف من الآخر، الذي هو مرآتنا وصورتنا الحقيقية وليس عدونا الذي نسعى لوأده.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
