المسؤولية تقع على الجميع… قبل أن يقع الجميع – بقلم: حوراء إبراهيم غندور
حين أُربّي ابنتي، فإنّني أُعدّها لحياة لن تبقى فيها تحت نظري، ولمجتمع قد أرحل يومًا وأتركها فيه. لذلك لا أستطيع أن أقول: «أنا مسؤولة عن ابنتي وحدها، ولا شأن لي بما يحدث حولي». فما يحدث حولي سيصبح جزءًا من عالمها، وسيؤثّر في أمانها وكرامتها وقدرتها على الانتماء.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
أريدها أن تخرج إلى الحياة مرفوعة الرأس، قادرةً على التفكير والاختلاف والمشاركة. وأريد لها مجتمعًا تشعر فيه بأنّ احترامها حقّ، وأنّ هويّتها لا تجعلها موضع شبهة أو سخرية. ولهذا، فإنّ مسؤوليتي عنها تمتدّ إلى مسؤوليتي عن البيئة التي ستعيش فيها.
صيانة المجتمع مسؤوليتنا جميعًا. والمسؤولية تقع على الجميع، قبل أن يقع الجميع.
أكتب من موقعي كأمّ ومربّية، وأمثّل نفسي وحدها. لا أدّعي التحدّث باسم التربويين جميعًا، ولا باسم المسلمين جميعًا. لكنّني أتحمّل مسؤولية موقفي، وأرى أنّ السكوت عن تحويل الإهانة إلى مشهد مألوف يستدعي منّا وقفةً أخلاقية وتربوية.
من هنا، أرفض أن يمرّ استغلال الإسلاموفوبيا في الانتخابات الأميركية مرور الكرام. وقد وثّقت وكالة أسوشيتد برس هجمات ترامب على المرشّح لمجلس الشيوخ عبدول السيّد، تضمّنت التشكيك في ولائه وتصويره تهديدًا أمنيًا، في سياق خطاب يستهدف هويّته المسلمة. (ap.org)
من حقّ الأميركيين أن ينتخبوا من يشاؤون، وأن يرفضوا أيّ مرشّح بسبب برنامجه أو مواقفه أو أدائه. لكنّ اتخاذ اسمه أو دينه مادّةً للتخويف والتهكّم يطرح سؤالًا يتجاوز المنافسة الانتخابية: ماذا يحدث للقيم حين تصبح هويّة الإنسان وسيلةً للنيل منه؟
حين يقف رئيس دولة عظمى ليتهكّم على الآخرين، فإنّ أثر كلماته يتجاوز خصومه السياسيين. يسمعه طفل، ويراقبه مراهق، ويرى فيه بعض الناس نموذجًا للقوّة والنجاح. وهنا أسأل: أيّ درس يتلقّاه هؤلاء عن القيادة؟ وهل يتعلّمون أنّ النفوذ يمنح صاحبه حقّ الإذلال؟
ويؤسفني أن تتحوّل التغطية الإعلامية إلى إعادة عرض لهذه المشاهد دون مساءلة معناها وأثرها. فمن واجب الإعلام نقل ما يحدث، لكنّ تكرار الإهانة بوصفها مادّةً للتسلية قد يُسهم في تطبيعها. ويصبح السؤال عندها: من أحرج مَن؟ بدلًا من: أيّ حقّ انتُهك؟ وأيّ سلوك نمنحه مساحةً وقبولًا؟
عندما يصبح التنمّر «وجهة نظر»، وتُقدَّم السخرية من هويّة الآخرين بوصفها ممارسةً للحرية، تصبح مسؤوليتنا التربوية أكثر إلحاحًا.
نحن نعلّم أبناءنا ألّا يسخروا من زملائهم، وألّا يحكموا على الناس من أسمائهم وملابسهم ومعتقداتهم. فكيف نحافظ على صدق هذه التربية إذا صفّقنا للسلوك نفسه حين يمارسه شخص نؤيّده؟
ما الذي سيتعلّمه الطفل عندما يرى أنّ الإهانة ممنوعة في الصفّ، ومقبولة على المنبر؟ وأنّ احترام الآخرين مطلوب منه، ويمكن لصاحب السلطة أن يتخلّى عنه؟
سيتعلّم أنّ القاعدة تتغيّر بحسب مكانة صاحب الفعل. وهذه رسالة تهدم ما نحاول بناءه.
لذلك أرفض منح أيّ إنسان استثناءً أخلاقيًا. ما نرفضه من الطالب نرفضه من المعلّم، وما ندينه لدى المواطن ندينه لدى الرئيس. وكلّما اتّسع تأثير الإنسان، ازدادت مسؤوليته عن كلماته وأفعاله.
وهذا المعيار يلزمني أنا أيضًا. إذا رفضتُ التنمّر حين يصدر عن خصمي، وجب أن أرفضه حين يصدر عمّن أحبّ. وإذا طالبتُ بالإنصاف لنفسي، وجب أن أمارسه تجاه الآخرين. وإذا رفضتُ اختزال المسلمين في سلوك فرد، فلا يجوز أن أختزل الأميركيين في رئيس أو تيار.
حجابي يُظهر جانبًا من هويّتي. أنا امرأة مسلمة اخترت أن أرتديه، وأعتزّ باختياري. لكنّني أمثّل نفسي، وأتحمّل مسؤولية سلوكي؛ فلا يحقّ لأحد أن يعمّم ما يصدر عنّي على باقي المسلمين.
وبالمعيار نفسه، فإنّ احترام حرية المرأة يقتضي احترام اختيارها حين ترتدي الحجاب وحين تخلعه، ما دام قرارها حرًّا لا إكراه فيه. أمّا أن نصفّق لاختيار ونستهزئ بالآخر، ثم نسمّي ذلك دفاعًا عن الحرية، فهنا علينا أن نسأل أنفسنا: هل نحترم حقّها في الاختيار، أم نريد منها أن تختار ما يوافقنا؟
الحرية لا تتجزّأ، والقيم لا تقبل ازدواج المعايير.
والحرية مسؤولية. الكلمة مسؤولية، والموقف مسؤولية، وما ننشره ونصفّق له مسؤولية. نحن نُسهم، بهذه الأفعال اليومية، في تشكيل ما يصبح مقبولًا داخل مجتمعاتنا.
لكن، هل نملك من الحرية ما يكفي لتحمّل مسؤوليتنا؟ هل نستطيع أن نعترض على جماعتنا حين تُخطئ؟ وأن نعترف بحقّ من نختلف معه؟ وأن نتراجع عن موقف بعدما يتبيّن لنا ظلمه؟
هنا تُختبَر استقلالية تفكيرنا؛ حين يتطلّب الإنصاف منّا أن نخالف أهواءنا، وأن نتحمّل كلفة موقف لا يحظى بالتصفيق.
ومن صميم مسؤوليّتنا كتربويين أن نُنمّي هذه القدرة لدى أبنائنا. عندما يقرأون، نريدهم أن يفهموا بعقل الناقد الواثق: يسألون عن الدليل، وينتبهون إلى السياق، ويميّزون بين نقد الفكرة وإهانة صاحبها، وبين مسؤولية الفرد والصورة النمطية عن جماعته.
وعلينا أن نمنحهم فرصة ممارسة ذلك معنا. أن يسأل الطالب دون خوف من الإذلال، وأن تعترض ابنتي دون أن تخسر احترامي، وأن يراني أبنائي أراجع نفسي وأعتذر حين أُخطئ. فالتربية التي ندعو إليها تحتاج إلى أن تظهر في معاملتنا اليومية.
ولا يصحّ أن نطلب منهم الصدق فيما نقول شيئًا ونفعل نقيضه. ويذكّرني هنا قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: ٣].
وأوجّه صرختي إلى كلّ إنسان، مهما كان دينه، أو إن لم يكن يدين بدين. مسؤوليتنا المشتركة تقوم على احترام الكرامة الإنسانية، والالتزام بالعدل، وصون حرية الآخرين. نستطيع أن نختلف في معتقداتنا ورؤانا، وأن نلتقي على رفض الإذلال والتمييز والكراهية.
للأخلاق حياء؛ يظهر في قدرتنا على التوقّف أمام أذى إنسان، وعلى الشعور بأنّ بعض الكلام لا يليق، مهما جلب من شهرة أو أصوات. وحين يتجاوز السياسي هذا الحدّ، ويتملّق الإعلامي، ويصفّق الجمهور، يصبح الخلل ممتدًّا عبر أطراف المشهد كلّه. ولكلّ طرف مسؤوليته، بقدر سلطته وتأثيره وقدرته على الاختيار.
ولهذا أترقّب الانتخابات الأميركية المقبلة باعتبارها مناسبةً للتساؤل عن مكانة هذه القيم في القرار العام. فالانتخابات النصفية تُجرى في الثالث من نوفمبر/تشرين الثاني ٢٠٢٦. (eprs.europarl.europa.eu) وأتساءل: كيف سيزن الناخبون أثر الخطاب الذي يستهدف كرامة الآخرين؟ وهل يكون رفضه حاضرًا في مساءلتهم لمرشّحيهم وقادتهم؟
أعرف أنّ الناس يصوّتون لأسباب متعدّدة، وأنّ نتيجة انتخابية واحدة لا تختصر وعي شعب بأكمله. لكنّ ذلك لا يلغي حقّنا في السؤال عن المسؤولية الأخلاقية المصاحبة للاختيار السياسي، وعن الحدود التي ينبغي ألّا نتسامح مع تجاوزها.
كما أنّ امتلاك تجربة ديمقراطية لا يجعل صاحبها فوق النقد. ومن يقدّم تجربته نموذجًا للآخرين، عليه أن يقبل مساءلتها بالمعايير التي يدعو إليها.
إنّ صيانة المجتمع لا تنتهي عند صندوق اقتراع، ولا تقع على السياسيين وحدهم. تبدأ أيضًا من معلّم يرفض إذلال طالب، وأمّ تصحّح خطأها أمام ابنتها، وإعلامي يضع الإهانة موضع مساءلة، وفرد يتوقّف قبل مشاركة منشور يحرّض على جماعة.
هذه الأفعال تُراكم بيئةً يستطيع أبناؤنا أن يعيشوا فيها بثقة، وأن ينتموا إليها بفخر، وأن يعملوا على إصلاحها دون خوف.
فلنكن صادقين مع أنفسنا أولًا، ومع مجتمعاتنا ثانيًا. ولتكن القيم أولًا، والإنسانية أولًا، والكرامة حقًّا للجميع.
نحن نُربّي أبناءنا لحياة قد نغيب عنها؛ فأيّ مجتمع نتركه لهم، وأيّ مسؤولية نتحمّلها اليوم ليكونوا فيه آمنين وأحرارًا؟
