من صناديق الاقتراع إلى اهتزاز المنظومة الأميركية… هل بدأ الشعب يحاسب إمبراطوريته؟ – غنى شريف
لم تكن الانتخابات النصفية الأميركية التي جرت في الثالث من تشرين الثاني 2026 مجرد استحقاق انتخابي انتهى بخسارة الجمهوريين وفوز الديمقراطيين بالسيطرة على مجلسي الكونغرس، بل بدت وكأنها محطة تتجاوز نتائج الصناديق، لتضع مجمل المنظومة السياسية الأميركية أمام اختبار يتعلق بطبيعة الخيارات التي حكمت البلاد، وبالثمن الذي يدفعه الأميركيون لقاء سياسات تتخطى حدود مصالحهم المباشرة.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
فالنتائج التي أعادت رسم موازين القوى داخل الكونغرس لم تكن مجرد تبدل في الأكثرية والأقلية، بل حملت رسائل سياسية واقتصادية واضحة، في مقدمها الاعتراض على ارتفاع تكاليف المعيشة، والتضخم، والتعريفات الجمركية، والحرب على إيران، وما ترتب عليها من أعباء مالية واقتصادية.
ولعل أبرز ما يكشف أبعاد هذه المرحلة تصريحات زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر، الذي أعلن أن حزبه سيعمل على إنهاء الحرب على إيران، متوعداً بفتح التحقيقات ومقاضاة الرئيس دونالد ترامب كلما خالف إرادة الشعب الأميركي أو القانون، ومؤكداً أن عهد مجلس الشيوخ الخاضع لترامب قد انتهى.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده ليس فقط: هل سيحاسب الديمقراطيون ترامب؟ بل: هل حاسب الشعب الأميركي المنظومة التي أوصلته إلى هذه الخيارات؟
فمن السذاجة السياسية اختزال المشهد باعتباره انتصاراً كاملاً للديمقراطيين على الجمهوريين، وكأن الحزبين يمثلان مشروعين متناقضين جذرياً في كل الملفات. إذ إن هناك مساحة واسعة من التداخل بين مصالح المؤسسات السياسية والاقتصادية ومراكز النفوذ في واشنطن، وإن اختلفت الأدوات والخطابات والتحالفات. ومن هنا تبرز المقولة التي تختصر جانباً من هذا الواقع: عملة واحدة بوجهين، وإن لم يكن ذلك يعني تطابق الحزبين في جميع السياسات والمواقف.
لقد أظهرت صناديق الاقتراع أن الناخب الأميركي ليس مستعداً بالضرورة لتحمل كلفة السياسات الخارجية إلى ما لا نهاية، ولا سيما عندما تنعكس هذه السياسات على حياته اليومية، وعلى أسعار الطاقة والسلع والخدمات، وعلى الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي داخل بلاده.
وهنا تكمن المفارقة التاريخية؛ فأميركا التي تشكلت عبر موجات متعاقبة من الهجرة، وجاء إليها ملايين البشر بحثاً عن الأمان والفرص والحياة الأفضل، تجد نفسها اليوم أمام سؤال يتعلق بالفارق بين الحلم الذي استقطب المهاجرين، والمشروع السياسي الذي جعل من النفوذ الخارجي والتدخلات العسكرية جزءاً من أدوات حضورها الدولي.
فالمواطن الذي يبحث عن عمل مستقر، وتعليم جيد، ورعاية صحية، ومستقبل أفضل لأبنائه، ليس بالضرورة معنياً بحرب بعيدة لا يرى عائداً مباشراً منها، ولا يريد أن تتحول الضرائب التي يدفعها إلى تمويل صراعات تستنزف الاقتصاد وتضع بلاده أمام التزامات مفتوحة.
ومن هنا، لا يمكن فصل الاعتراض الانتخابي عن النقاش الأوسع حول طبيعة الرأسمالية الأميركية، ودور شركات السلاح والطاقة والمصالح الاقتصادية الكبرى في التأثير على القرار السياسي. فثمة انتقادات متراكمة ترى أن مصالح قطاعات اقتصادية نافذة ساهمت في توجيه السياسة الخارجية الأميركية نحو مناطق الثروات والموارد الاستراتيجية، وإن كان من غير الدقيق اختزال جميع الحروب والتدخلات الأميركية في دافع واحد أو جهة واحدة.
وليس من قبيل المصادفة أن تترافق الخسائر الانتخابية مع تصاعد الحديث عن كلفة الحرب على إيران. فبحسب تقديرات مكتب الموازنة في الكونغرس، بلغت الكلفة العسكرية المباشرة للعمليات الأميركية نحو 38 مليار دولار حتى الأول من آب 2026، من دون احتساب جميع التداعيات الاقتصادية الأخرى. وهي أرقام تفتح باباً واسعاً للنقاش حول الأولويات: كم يمكن أن تستثمر الولايات المتحدة في الداخل، لو لم تكن هذه الأموال تُستنزف في العمليات العسكرية الخارجية؟
إن التاريخ لا يمنح الإمبراطوريات ضمانة أبدية للاستمرار. فقد شهد العالم انهيار إمبراطوريات كبرى، ليس بالضرورة نتيجة هزيمة عسكرية مباشرة، بل بفعل تراكم الأزمات الاقتصادية، واتساع الفجوة بين السلطة والمجتمع، وتآكل الثقة الشعبية، والعجز عن التوفيق بين الطموحات الخارجية والقدرات الداخلية.
وليس المقصود هنا إعلان سقوط الإمبراطورية الأميركية، فذلك استنتاج يتجاوز ما يمكن أن تثبته انتخابات واحدة، بل الإشارة إلى أن القوة مهما بلغت ليست بمنأى عن المحاسبة، وأن المجتمعات التي تصنع شرعية الأنظمة قادرة أيضاً على إعادة رسم حدودها.
ومن هذه الزاوية، تكتسب الانتخابات الأميركية دلالة تتجاوز التنافس الحزبي. إنها تطرح سؤالاً عن قدرة الشعوب على كسر الصورة التي تصنعها لها المؤسسات الإعلامية والسياسية، وعن حدود تأثير البروباغندا عندما تصطدم بالواقع المعيشي وبالوعي الجماهيري.
فمن قال إن البروباغندا لا تفشل عند أقدام الوعي الجماهيري؟ ومن قال إن الشعوب لا تستطيع أن تحدث فارقاً عندما تشعر بأن القرار السياسي لم يعد يعبر عن مصالحها؟
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل القراءة الإسرائيلية لهذه النتائج. فقد أثارت الخسائر الجمهورية تساؤلات داخل الأوساط الإسرائيلية بشأن مستقبل العلاقة مع إدارة ترامب، واحتمالات انعكاس الضغوط الداخلية الأميركية على مسار الحرب مع إيران. وذهبت بعض التحليلات الإسرائيلية إلى التساؤل عما إذا كان ترامب سيكتفي بتداعيات خسارته السياسية أم سيبحث عن استعادة صورته عبر تصعيد عسكري جديد.
وهنا تبرز نقطة بالغة الحساسية: هل يمكن أن تتحول حاجة الرئيس الأميركي إلى استعادة موقعه السياسي إلى عامل ضغط باتجاه خيارات عسكرية تخدم حسابات إقليمية معينة؟
لا يمكن الجزم بأن إسرائيل تدفع ترامب نحو حرب جديدة، لكن من المشروع قراءة بعض التحليلات الإسرائيلية بوصفها تعكس قلقاً من تراجع هامش الحركة الأميركية، أو رغبة في الحفاظ على مستوى مرتفع من الانخراط الأميركي في الصراع.
غير أن حسابات واشنطن ليست بالضرورة مطابقة لحسابات تل أبيب، وما تراه جهة ما ضرورة استراتيجية قد يراه الناخب الأميركي عبئاً إضافياً على اقتصاده وأمنه ومستقبله.
فترامب الذي ارتبط اسمه بخطاب استعادة القوة الأميركية، يجد نفسه أمام معادلة مختلفة: القوة لا تُقاس فقط بالقدرة على شن الحروب، بل أيضاً بالقدرة على تجنبها، وحماية الاقتصاد، وصون الاستقرار الداخلي، واحترام إرادة الناخبين.
وقد تكون الرسالة الأهم في هذه الانتخابات أن الشعوب لا تحتاج إلى إسقاط منظومة كاملة دفعة واحدة كي تبدأ بتغيير مسارها؛ أحياناً يكفي أن تسحب منها الغطاء الشعبي، وأن تعيد ترتيب موازين القوى، لتبدأ مرحلة جديدة من المحاسبة.
أما الدرس الذي يتجاوز حدود الولايات المتحدة، فهو أن لا إمبراطورية محصنة من التاريخ، ولا سلطة محصنة من الشعوب، ولا رواية سياسية تستطيع أن تصمد إلى الأبد أمام واقع يعيشه الناس ويدفعون أثمانه.
وفي النهاية، ربما لم يكن السؤال الذي طرحه الأميركيون عبر صناديق الاقتراع متعلقاً بترامب وحده، بل بمستقبل أميركا نفسها: هل تريد دولة تستثمر في حياة مواطنيها، أم دولة تواصل دفع أثمان صراعات لا تنتهي؟
ففي السياسة، كما في الاقتصاد، ليس المهم فقط ما يُعلن في البدايات، بل ما تكشفه النتائج عند لحظة الحساب… وحساب البيدر، كما يقال، لا يأتي دائماً مطابقاً لحساب الحقل.
