الإنسان وتكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، من يقود من؟\ مازن محمود نعمة
وهل يطوِّر الإنسان التكنولوجيا التي قد تتسبّب في هلاكه؟
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
قبل سنوات قليلة، بدأ الحديث عن الذكاء (Artificial Intelligence Ai) ينتشر في أوساط الناس عامة بعدما كان موضوعًا متداولاً لعشرات السنين فقط بين الباحثين والعاملين في مجال تطوير الروبوتات والخوارزميات الذكية، على سبيل المثال: الأنظمة الخبيرة و الشبكات العصبية الاصطناعية (Neural Networks)، حيث كان الاهتمام محصوراً بإنتاج تطبيقات تساعد في اكتشاف الحلول لمشكلات العمل بسرعة فائقة، تطبيقات التنبؤ بحركة البراكين والزلازل، تطبيقات أنظمة كشف الكذب…
وبحكم اختصاصي وعملي كمدرس وباحث في مجال علوم الكمبيوتر، كنت من المتحمسين لهذا العِلم ومبادرًا لقراءة ومواكبة العلوم المرتبطة به. وقد ألقيت محاضرة عام 2022 بعنوان: “مقدمة في الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته” في مركز ذا ليرنينغ كورنر في مصر- القاهرة الجديدة وتم متابعة المحاضرة أونلاين من قبل العديد من الطلاب في لبنان. وكان هدف المحاضرة هو تعريف الذكاء الاصطناعي وكيف يعمل؟، كيف يسمَح الذكاء الاصطناعي لجهاز الحاسوب أن يفكر، ويتصرف، ويستجيب كما لو أنه إنسان. وكيف يمكن تزويد أجهزة الكمبيوتر بكميات هائلة من البيانات، ليتم تدريبها على تحديد الأنماط الموجودة فيها؛ فتصبح قادرة بعد ذلك على إنتاج تنبؤات، وحل المشكلات، وحتى التعلم من أخطائها.
وقد نصحتُ الطلاب بتعلم هذا المجال لأنه من علوم المستقبل الهامة جدًا. وكانت خارطة الطريق العلمية هي: تعلم بعض أسس الرياضيات الضرورية – تعلم قواعد البرمجة بلغة بايثون – تعلم تحليل البيانات باستعمال (Python Libraries)- و تعلم لوغاريتمات (Machine Learning – Deep Learning) وصولاً الى المراحل المتقدمة لتطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي المطلوبة في سوق العمل.
ولكن ما الذي يحصل منذ قرابة العام او أكثر بقليل؟
لماذا تحوَّل الذكاء الاصطناعي فجأة الى عِلم مخيف، تهدد تطبيقاته العشوائية مسار الإنسانية بأكملها؟!
يشهد العالم اليوم تطورًا سريعا ومذهلا لتقنيات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي (AI) ، حيث أثّرت وغيّرت في العديد من جوانب حياتنا العملية والخاصة. ولا يمكن لأحد أن ينكر أهمية هذه التقنيات في تحسين العديد من الجوانب وفي كل الأعمال على مستوى الإنتاجية، والسرعة والجودة والحلول! إلا أن العديد من الخبراء يخشون من إمكانية استخدام هذه التقنية لأغراض ضارة، وأنها ستشكل خطرا كبيرا على استمرارية العديد من الوظائف.
وقد ذكر تحليل أعدّه صندوق النقد الدولي أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي قد تؤثر على 40 في المئة من الوظائف على مستوى العالم. وفي حالات أخرى، سيكون لدى تطبيقات الذكاء الاصطناعي القدرة على أداء المهام الرئيسية التي ينفذها البشر حاليًا، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض الطلب على العمالة، بل قد يتجاوز ذلك إلى حد إلغاء الوظائف.
على الصعيد الشخصي، أرى ان انتشار تطبيقات الذكاء الاصطناعي بهذا الشكل غير المنظم قانونيا وفي ظل الترويج الأحمق لهذه التطبيقات على انها الحل لمشاكل الانسان ولا سيما الطلاب والتلامذة ستؤدي الى وجود جيل غير مثقف، اتكالي وغير مبدع، وسيضيع تعب المجتهد، ولن يكون هنالك عدالة في اختيار الأشخاص في ميادين العمل ولا عدالة في سياسة الأجور وسينقرض الابداع الإنساني شيئا فشيئا الى أن تُفني البشرية نفسها أو البيئة الطبيعية لاستمراريتها…
وأرجو من الزملاء الأحبة الفاعلين في هذا المجال، أن لا يسارعوا الى انتقاد هذه الكلمات. فلنبتعد قليلاَ عن حسابات الربح والتجارة وإن كان ذلك حق للجميع. إنما ألفت النظر هنا الى أهمية التوازن في استعمال المهارات الفردية والالكترونية الذكية! الى الدعوة لاكتساب العلوم للثقافة والخير، دون الابتعاد عن فضائل القراءة والكتابة بالجهد الشخصي وفنون الرسم والموسيقى وغيرها من العلوم والفنون الإنسانية التي تحفظ للإنسان وجدانه وانسانيته…
الإنسان اليوم في خطر وجودي!.. مستقبل أولادنا وطلابنا في خطر!
ماذا يعني الترويج لتطبيقات مثل:
- هذا التطبيق هو كنز يكتب لك الأبحاث الجامعية في 3 دقائق. وهذا التطبيق يعدّل على البحث، ليخفي انه مكتوب بتقنية الذكاء الاصطناعي!
- هذا التطبيق يرسم لك الصورة التي تريد، للبيع كلوحة حقيقية!
- هذا التطبيق ينتج لك الصور والفيديو والمقاطع الصوتية في ثوان لتبدأ عملك اونلاين!
- هذا التطبيق يساعدك على فروضك المدرسية وأسئلة الامتحانات…
- وغيرها من التطبيقات التي وان كانت نافعة، فإنها على المدى البعيد تقتل المهارات الفردية والابداع الفردي…..
- تصوير عالم الروبوت للأولاد وكأنه فضيلة العصر، وغض النظر عن الجهل المتفشي وتدني مستوى التعليم واللغات على مستوى الوطن. تلميذ لا يمكنه كتابة جملة صحيحة بلغته الأم، نجعل منه مبدعا على وسائل التواصل لأن قام ببرمجة روبوت ليتحرك الى الامام او الى الوراء!
فهل أصبح همّ الناس في الحياة هو تحقيق الأرباح المادية فقط؟ والسرعة في انجاز المطلوب؟ من قال أن السرعة في كل الإنجازات تجلب السعادة؟ أوليس العمل والانشغال بالعمل صحة؟ وراحة نفسية وبدنية؟
أخيرا، هل يمكن إيقاف عجلة تطور تقنيات الذكاء الاصطناعي؟ طبعاً كلا!
إذا ما الحل؟ الحل هو بإعادة تفعيل وتنشيط ميادين الثقافة الحقيقية للقراءة والأدب والفنون من رسم و موسيقى ومسرح وغيرها مع التعلم الإيجابي للذكاء الاصطناعي من جهة، ومن جهة أخرى العمل على وضع قواعد تنظيمية لاستخدام الذكاء الاصطناعي، الذي حذر الخبراء من أن تطوره السريع أصبح خطيرا. حتى أن البعض قال إنه يجب وقف أبحاث الذكاء الاصطناعي..!
في العام الماضي، قدّم جيفري هينتون – الذي يعدّ كأب روحي للذكاء الاصطناعي الحديث – استقالته من شركة غوغل محذرًا من أن روبوتات الدردشة الذكية مثل (Chat GPT) يمكن أن تصبح قريبًا أكثر ذكاء من البشر..!
وفي لفتة مهمة لقوننة الذكاء الاصطناعي والحد من مخاطره في العمل، اقترح الاتحاد الأوروبي مؤخراً قانوناً جديداً بعنوان: “قانون الذكاء الاصطناعي” الذي سيضع إطارا قانونيا صارما و حواجز حماية، تحدد آلية استخدام الذكاء الاصطناعي، وسيتوجب على الشركات الامتثال له بعد أن يدخل حيز التنفيذ عام 2025.
