بريد الميدان … حكايات ستكتب للتاريخ عن بسالة المجاهدين على طول الحدود
جاء في الأخبار :
مشكلة قادة العدو تعود إلى «الاستعلاء» الذي يتحكم بسلوك مجتمع بكامله. وهو مبدأ يبرر القتل الجماعي، باعتباره الطريق الضروري لكي وعي الخصم قبل فرض الاستسلام عليه. ويوم أمس، عندما نجا رئيس حكومة العدو من محاولة اغتياله بمُسيّرة فشل جيشه في اكتشافها أو اعتراضها، لم يكن لدى بنيامين نتنياهو، وكل فريقه السياسي والأمني، سوى التصرف باستعلاء، انطلاقاً من فكرة أنهم يستغربون أن يفكر أحد، أي أحد في هذا العالم، بأن يمس برأس السلطة في إسرائيل. وحتى عندما حاول «بيبي» إظهار قوته بشريط دعائي قصير، تصرّف بناءً على قناعته بأنه لا يُمسّ، قبل أن يقول لنا إن من يفكر، فقط يفكر، بالوصول إاليه، سيدفع الثمن غالياً. والثمن، في عرف مجنون العصر، هو الموت الجماعي. وهذا العقل الاستعلائي هو ما يسود الآن بين ضباط العدو وجنوده الذين يقاتلون على الحدود. ويتضح يوماً بعد يوم، وساعة بعد ساعة، أنه جيش يراهن بقوة على أمرين أساسيين: التقنية العالية والكثافة النارية.
لكن هل هذا يكفي لتحقيق المهمة؟
بريد الميدان يقول بوضوح إن الأمر لا يسير على هذا النحو. فالعدو الذي استبعد المدرّعات عن معاركه الأولى على طول الحدود، فعل ذلك خشية من الوسائل القتالية القادرة على تعطيل هذا السلاح، وهو محقّ في ذلك، إذ نجحت المقاومة في تدمير أكثر من نصف مدرّعاته التي دفع بها إلى الميدان في الجنوب. وهو لم يجد حيلة سوى تكرار ما سبق أن جرّبه في لبنان، وقام به في غزة أخيراً، مع فارق أن القوة النارية التي يستخدمها في ما يُعرف بـ«التمهيد الناري» كانت كبيرة إلى درجة غير مسبوقة. كما تظهر الوقائع أن حجم استخدام سلاح الجو، الحربي والمُسيّر، غير مسبوق في الحروب. ومع ذلك، لا يبدو أن لدى جيش الاحتلال وسيلة أخرى لفتح الطريق أمام قواته للتقدم. وفي كل يوم، يتبين أنه لم يتعلّم من حروبه السابقة لا في غزة ولا في لبنان. وتفيد أخبار الميدان بأنه يكرّر الأخطاء نفسها التي ارتكبها عام 2006، حتى إنه بدا شديد الضعف، عندما حاول الاحتيال بإرسال سيارات رباعية الدفع وملالات مُسيّرة عند بعد، ليكتشف أن المقاومة لا تتعامل مع رغباته الميدانية، بل تستخدم تكتيكات عملياتية تلقائياً بحسب ما تراه المجموعات الموجودة على الأرض مناسباً من إجراءات دفاعية أو هجومية في مواجهة تقدم قوات الاحتلال. وهو ما أتاح القيام بمناورات، على شكل كمائن معدّة مسبقاً، أو على فتح الطريق أمام العدو للتقدم، ثم مهاجمته ودفعه إلى الانسحاب، وهو ما جعل الإصابات في صفوف قواته كبيرة جداً. ورغم الرقابة غير المسبوقة التي يتحدث عنها الصحافيون في كيان الاحتلال، فإن ما سُمح بنشره دلّ على وجود ما يقارب الـ500 إصابة بين قتيل وجريح. ويؤكد صحافيون في الكيان أن إدارات المستشفيات باتت تحتاج إلى إذن الرقيب العسكري قبل الإجابة عن عدد المصابين الذين وصلوا إليها، قبل أن يحصل اتفاق ضمني بأن يُترك أمر الحديث عن القتلى إلى الجيش، فيما تحصر المستشفيات عدد الجرحى بأصحاب الإصابات الخطيرة فقط.
لم ينجح العدو في احتلال قرية بكاملها بعد ومدرّعاته الفعّالة غير قادرة على المشاركة والمقاومة تكشف خدع المؤلّلات المُسيّرة
وإذا كان العدو يحاول ابتكار أساليب جديدة للحصول على استقرار ولو لساعات في مناطق بعينها، فهو يجد مشكلة كبيرة بالتعامل مع أنواع الأسلحة التي يستخدمها رجال المقاومة. وما عرضه العدو من عتاد قال إنه عثر عليه في نقاط حدودية، يكفي للإشارة إلى ما يوجد في حوزة مجموعات المقاومة، في كل نقاط انتشارها، سواء عند نقاط الاشتباك الأمامية أو نقاط التموضع الخلفية. وهو ما كان سبباً لرفع الصوت بين جنود وحدات النخبة الذين يشكون من “أوامر غير منطقية» تصدر عن ضباطهم، ومصدر الشكوى ليس غياب الخطط المجدية، بل في كون هؤلاء الجنود لا يملكون أسلحة تعالج المشكلة، ما يجعل طلباتهم بالدعم قبل وأثناء التقدم تقتصر على الإسناد الناري الهائل، وهو إسناد يُستخدم أيضاً لتأمين الانسحاب.
ها نحن، نقضي الأسبوع الثالث من العملية البرية. والكل يعرف أنها العملية التي ستحسم المعركة مهما بالغ العدو في القصف والغارات ضد المدنيين في العمق اللبناني. وهي المعركة التي سترسم مستقبل الوضع على الحدود أمنياً وعسكرياً وسياسياً أيضاً. وإذا كان العدو لا يمانع في ارتكاب المزيد من الجرائم ضد المدنيين في كل لبنان، فإن مسار عملياته بدأ يكشف عن ثغرة كبيرة في سلوكه كجيش. وهي ثغرة بدأت المقاومة بالنفاذ منها إلى نقاط ضعفه، وتتصرف على أساس أن المعركة قد تمتد لوقت طويل، وطويل جداً. ومع ذلك، ما من داع للتكهن بما ستقوم به، كون الميدان وحده كفيلاً بتزويدنا بالخبر اليقين.
حتى ليل أمس، لم يكن العدو قد تمكّن من احتلال قرية بكاملها على طول الحدود. والأخبار الواردة من الميدان، تخبر الكثير عن ما يحصل هناك، وفيها حكايات المقاومين الذين يقاتلون ببسالة لا يقدر أحد على تحمل وقعها وقدرتها ولا على تحمل كلفتها. لكنها حكايات، ستُكتب أكيداً، لتُعرض أمام العالم كله تبدو قصصاً خيالية، لولا أن أبطالها، سيظل بينهم الأحياء في هذه الأرض، أو في السماء حيث يؤمنون.
