كتب رئيس تحرير شبكة الزهراني الإخبارية محمد غزالة:
بينما يواجه الوطن عدواً لم يغير أطماعه يوماً، نغرق في انقساماتنا الداخلية. هل يمكننا الاتفاق على “لبنانيتنا” قبل أي شيء؟
الدماء التي تسيل في الجنوب هي دفاع عن كل شبر من أرضنا، والسيادة لا تُجزأ بين منطقة وأخرى.
لماذا يريد العدو السلام الآن؟ وما هو ثمن التوطين المستتر؟
يعيش لبنان اليوم مخاضاً عسيراً لا يستهدف حدوده الجغرافية فحسب، بل يضرب في عمق كيانه الوجودي وهويته الوطنية. وفي ظل هذا الضجيج، نجد أنفسنا أمام مفارقة تاريخية؛ فبينما يواجه الوطن عدواً لم يغير عقيدته التوسعية يوماً، نغرق نحن في شروخ داخلية تكاد تطيح بكل ما أنجزته الدماء السائلة من أجل الأرض.
وحدة الأرض وحق السيادة
إن الخطوة الأولى نحو الخلاص تبدأ من الاتفاق على بديهيات الوطنية: وحدة الأرض، حق السيادة المطلقة، ومنع استباحة الأجواء اللبنانية. لا يمكن لبلد أن يبني مستقبلاً بينما “عينه” مغمضة عن خروقات العدو اليومية. إن بناء جيش قوي مجهز بقدرات حقيقية هو مطلب إجماعي، لكنه يتطلب أولاً بيئة سياسية حاضنة، تخفض من حدة الخطاب المتشنج وتبتعد عن المواقف الكيدية التي لا تبني حواراً ولا تؤسس لاستقرار سليم.
الجنوب.. وجع عكار والقلب اللبناني
علينا أن نستذكر دائماً أن الجنوب لم يُحتل لأن هناك “دعمًا إقليميًا” للمقاومة؛ فالاحتلال بدأ عام 1978 قبل بزوغ فجر الجمهورية الإسلامية في إيران، وبيروت احتلت عام 1982 قبل أن تتشكل ملامح المقاومة الإسلامية الحالية. إن الدماء التي تسيل في الجنوب هي دفاع عن سيادة لبنانية خالصة، ومن حق هؤلاء المقاومين أن يجدوا في ظهرهم بيئة وطنية مطمئنة تدعمهم وتشد على أياديهم، لا أن تحاول تجريدهم من حق كفلته كافة المواثيق الدولية في مواجهة المحتل.
ازدواجية المعايير والكرامة الوطنية
ومن المؤسف أن نرى بعض المنابر الإعلامية تتعامل بروية “مريبة” مع انتهاكات العدو، كحادثة تحطيم جندي إسرائيلي لمزار “يسوع المسيح” أمام مرأى العالم، بانتظار “تحقيقات جيش الاحتلال”، بينما تقام الدنيا ولا تقعد لو صدر فعل أبسط من ذلك بكثير من شاب لبناني. إن الكرامة الوطنية لا تتجزأ، وابن عكار يجب أن يشعر بأن احتلال أي شبر في الجنوب هو طعنة في صدر الوطن بأكمله، لا خبراً عابراً يمر على شاشات التلفزة.
وهم “السلام” الصهيوني والتوطين
تطرح إسرائيل “السلام” لا حباً بلبنان، بل تكريساً لمنطقها ودورها التوسعي. فلو أراد العدو سلاماً، لأعاد الشعب الفلسطيني إلى أرضه بدلاً من ممارسة سياسات التشتيت. وهنا يبرز السؤال الوجودي: هل يقبل اللبناني بتوطين الفلسطينيين؟ وهو أحد أخطر العناوين المطروحة في كواليس صفقات السلام.
نحو تجربة وطنية صلبة
لبنان اليوم بحاجة إلى استلهام تجارب الصمود، حيث تذوب الخلافات أمام مصلحة الدولة العليا. علينا إعادة قراءة أهداف العدو بعمق قبل التفكير بالتفاوض معه. إن تعزيز الوحدة الوطنية التي تلاشت مع الاستحقاقات هو السبيل الوحيد للبقاء. السيادة ليست كلمات، بل هي فعل إيمان بالأرض، وثبات على الزناد، وعودة صادقة إلى “اللبنانية” التي تجمعنا تحت سقف الكرامة.
