أحْياءٌ عند ربِّهم يُرزَقون./ نادين خزعل
إنطوى شهرا تشرين الأول والثاني في لبنان معمّدين بالدّماء ساميين بالشهداء.
أولئك الرابضون على فوهة الأرض يحمون ويذودون…
لا يغمضون أعينهم إلا مرة واحدة لا تكون إلا الأخيرة..
يمتشقون الردى ليمنحوننا الحياة…
كنا في منازلنا الدافئة، نحتسي قهوتنا،ندرّس أطفالنا، نستقبل ضيوفنا، نطهو طعامًا شهيًّا، نستحم بمياه ساخنة، نضجر ونضج ونغضب ونفرح ونحب….
تفاصيلنا هذه ما كان لنا أن نتابعها بسلام وهدوء لولا أقدام المجاهدين الذين افتدوا حياتهم ليحموا ليالينا ونهاراتنا…
واليوم نحن نازحون، خائفون، قلقون، مشردون، ولكننا ثابتون راسخون صامدون مبايعون، وما بذلنا أمام عظيم بذلهم؟ إنهم شهداؤنا…
وإلى الجنوب ترنو الأبصار…
ها هي الخيام تنادي كفركلا فيتردد الصدى في المجادل وعيترون وميس الجبل وتهب الصوانة وتلبّي النداء صور وصيدا وعدلون وبريتال والبقاع والكنيسة وبرجا وعلمات وبيروت….
ها أرض لبنان،ترقص بفخر في العرس، فرجالها ما هابوا الله وما بدلوا تبديلا، تبغ الجنوب لا يرويه دم شهيد واحد، الأرض هنا عطشى ولا تُستقى إلا بالكرامة، وها هي أرض البقاع وبعلبك تسجي الشهيد تلو الشهيد.
أحياء عند ربهم يرزقون، والأرض هنا تزغرد إرادة وصمود وميثاق حياة: هنا الموت هو الحياة..
النعوش محمولة على أكف الإعتزاز والأمهات هنا لا تندبن: خذ يا رب حتى ترضى….
هي ثقافة الصمود والذود، حتى اللحظات الأخيرة، حتى المسافة الفاصلة بين الحياة وما بعدها،برزخ الاستشهاد وهنا الحقيقة المطلقة، هنا ينتهي الكلام، هم يرتقون أحياء عند ربهم يرزقون ونحن نطأطئ رؤوسنا بخجل وخفر، أمام عظيمهم ما أسخف رثاءاتنا ومقالاتنا وحتى دموعنا وكل تفاصيلنا….
وكيف نمضي في رحلة العودة إلى حياة أصبح فيها الشهداء مجرّد صور معلّقة على ذاكرة الوطن وعلى جدران التّاريخ؟
ثم نتذكر أنه تجب العودة فهم ما رحلوا إلا لنبقى….
سنلقن أبناءنا مسيرتهم وسنحفر قصصهم على صخر الوجدان ولن ننساهم….
11ـ11 سيبقى يوم الشهيد…وستبقى كلّ أيامنا أيام الشهداء….حتى الارتقاء فاللقاء.
