زُلَيخة نجدي في ديرقانون النَّهر: إيابٌ أخير إلى ترابٍ أثير/ د.يونس زلزلي
يُحكى أنَّ طفلةً شقراء بعينين ملوَّنتين أبعدها الفقر قسرًا من مقعدها الدِّراسيّ في مدرسة الضَّيعة، فشدَّت رحالها إلى حقول أبيها ذلك الفلَّاح العنيد الذي شَبَّ على نهضة أنطون سعادة سوريًّا قوميًّا اجتماعيًّا وشاب على حركة موسى الصَّدر أمليًّا رساليًّا يسبق بنيه وابنته الوحيدة إلى مواعيد الوفاء للإمام قبل تغييبه وبعده.
هناك بين افترار اخضرار الفوَّار وألق مياهها، اندلق العمر شقاءً لا يضجر، فاقترنت زليخة بالتُّراب وأشجاره وثماره اغترافًا من نعيم الله واحترافًا للمكابدة والمكابرة: حيّ على خير العمل.
ثمّ تعود إلى ذلك البيت العامليّ العتيق لتنهض بأعبائه تساعد الأمّ في حياتها وترث مهامها بعد رحيلها،فلا يزيدها التَّعب إلَّا سعادة وقناعة. هو عمرٌ من السَّعي الحثيث وراء لقمة العيش المُرَّة إلحافًا والحلوة كفافًا. هو طوافٌ لعقودٍ من الزّمن بين الفوَّار السَّحيق وساحة ديرقانون. أشرقت في هذا المدى زليخة مضمَّخةً بالزّعتر البرّيّ والهندباء والهليون والتِّين والرُّمَّان والزَّيتون، زاكية القلب والقول والعمل، تضفي على نقائها نقاء بانتمائها الفطريّ السَّليم إلى جهاد أخوتها في حركة أمل، تعتني ببنادقهم، وتُؤَمِّن طريقهم استطلاعًا، فتنال نصيبها المعلوم من أجر جهادهم، وتأخذ من اسمها نصيبًا أيضًا فتتقدَّم في المشي وهذا هو معنى الزَّلخ، من حقول ديرقانون النَّهر إلى فراديس السَّماء.
لقد قضت زليخة شهيدةً مضرَّجة بدمائها بعد بقائها في ديرقانون النّهر تكمل مع إخوانها من غير أمِّها وأبيها سِفر الصُّمود مؤازرةً وخدمة لوجه الله تعالى. نذرت زليخة العمر كلّه لخدمة الأقربين والأبعدين، فكيف لا تُتَوّجُه بالشّهادة؟
زليخة نجدي امرأة من معدن الأصالة والوداعة والبراءة. تقاسم عمرها سعودٌ بما قسم الله وصعودٌ كادحٌ إليه. كانت في غدواتها وروحاتها محمولةً على هودج عزمها إلى ما يعصمها من الحيف. في سيرتها عذوبة وعذاب، فسريرها الوثير لم يكن حريرًا، بل كان ما عاشته من رضًى وطمأنينة. سيكون ضريحها مريحًا فهي عاشت كريمة وارتحلت شهيدة.
تتلفّع زليخة بكوفيّة أبيها ومنديل أمّها، وتتدثّر دمها وورود الفوّار والجوار والعين وتحرس من روضتها الزَّمكان الدّيرقانونيّ من السّيوف والضّيوف وغدرات الدَّهر والقهر.
زليخة نجدي اسم علم أوّل لطهر النَّقاء وصفاء المحبَّة. ستفتقدها الطَّبيعة بأشجارها وأزهارها وأطيارها، وستبكيها الينابيع والعيون والمطر. ما زالت هناك تلهج بالدُّعاء، وتقيم صلاتها في محراب الجمال وقبلتها اليقين بالله، وقلبها ينبض بالخير.
حريٌّ بنا أن نقول إنَّنا تعلّمنا منك يا زليخة أن نبتعد عن كمائن الضَّغائن، ونتخفَّف من أصفاد الأحقاد. لقد كنت رقيقةً أليفة ولوعةً بالحياة.
سلّمي لنا على كوثر وكلّ الشُّهداء والرَّاحلين، وضمّدي جروح أرواحنا وديرقانوننا بطيوّن الفوَّار، وحرّرينا بشجاعتك من الخوف لنعود إلى ديرقانون ونجعلها كما جعلتها أنت احتمالك الأوَّل والأخير، ومجالك الجغرافيّ الأوّل والأخير.
أعيدي ذواتنا من أوهامنا إلى حقيقتك، لننجو من خوف، فلا نستوحش دروب العودة طالما أنَّها مزيَّنةٌ بابتسامتك أقوى من الرُّكام والحُطام.
زليخة نجدي حفنة ترابٍ طهور من أرضنا وكسرة ضوء شفيفٍ من شمسنا، وجرعة ماء نميرٍ من فوَّارنا. هي وجه بحكايات تضيء ذُبالة سراجنا وفتيلة قنديلنا في ليالي النُّعاس واليباس، فنصحو من سُباتنا ومماتنا.
