عروض الحل التي تطرح في الإعلام الإسرائيلي، كمن يقدم قطعة جبنٍ لأسد/ د. محمد سيف الدين
كتب الدكتور محمد سيف الدين الباحث في الجيوبوليتيك وقضايا الأمن الدولي
1
عروض الحل التي تطرح في الإعلام الإسرائيلي، كمن يقدم قطعة جبنٍ لأسد.
لا الجبنُ مغرٍ ولا الهدف فأر.
لكن ماذا عن المعلومات التي انتشرت عن إعطاء #ترامب فترة زمنية ل #نتنياهو لإتمام المهمة؟
2
في حين يرى طيفٌ واسعٌ من أصحاب الرأي في هذا المعطى إشارة سلبية ومخيفة، فإن ذلك (إن صح) قد يكون مقتلاً لنتنياهو.
فأسوأ ما يمكن أن يواجهه الآن هو أن يُعطى مهلة زمنية محددة لإنهاء الحرب. لأن ذلك الوقت سيحاصره، وسيدفع المقاومة إلى رفع النسق تدريجاً كلما اقتربت نهاية فترة السماح التي يضعها ترامب، بتكثيف النيران وتوسيع رقعة التهجير وتوجيه ضربات نوعية مؤلمة لأهداف جديدة.
أداء المقاومة وتصريحات قيادتها الجديدة تفيد بأنها تحسب لحربٍ طويلة، وتقيس نيرانها على هذا الاحتمال.
في المقابل، فإن نتنياهو قام بإجراءاتٍ لافتة جداً في الأسبوعين الأخيرين، فما معناها؟
3
في الأسبوعين الأخيرين قبل الانتخابات الأميركية، عاد نتنياهو إلى مراعاة توجه الإدارة الديموقراطية في مواكبة مساعي هوكشتين للحل، ورغم أنه لم يسهّل هذه المساعي، وأنها بقيت في إطار المراوغة والإغراء وتمرير الوقت، إلا أن خطوة نتنياهو أعطت هاريس فرصةً لخوض الانتخابات في صورة راعية الحل الذي لم يصل.
لكنه على باب الانتخابات، وقبل ليلتها تحديداً اتخذ خطوته الحاسمة بإقالة يوآف غالانت، وتعيين يسرائيل كاتس في موقعه، وأدخل جدعون ساعر ليكمل فريق الوحوش الذي يناسب تحالفه مع الصهونية الدينية.
لكن ذلك وعلى سوئه، يشير إلى احتمالٍ آخر.
4
إذا كانت مراهنة نتنياهو لعبة بوكر دموية، فإن إجراءاته تؤشر إلى أن اللاعب الذي دفع برهاناتٍ مجنونة وأصاب الكثير منها وحقق الأرباح التي لم يكن يتصورها، فإنه الآن يجمع حجارته لتسييلها إلى “كاش”. ومعنى إقالة غالانت تأتي في هذا السياق.
لكن إنجازاته المفاجئة، والتي غطّت بالصورة على معاناة جيشه لقرابة العام الكامل أمام نمط من الضربات قادته المقاومة وكانت الصحافة والمعارضة في إسرائيل يقرّعونه على فشله تحت تلك الضربات، خفت بريقها، وتحول إلى مناعةٍ عن مقاومة باتت تقاتل من أجل الثأر لمقدساتها ومقدسيها.
ماذا بعد؟
5
إلى جانب إقالة غالانت، الذي كان ورقة الديموقراطيين المرتقبة لمعاقبة نتنياهو إذا فازت هاريس، فإن نتنياهو خرج بتصريحاتٍ تؤشر إلى أنه يجمع أوراقه ليستثمرها في السيطرة التامة على النظام السياسي، وحسم الجدل في إسرائيل.
فهو أكد أن اغتيال السيد نصرالله وعملية “البيجرز” تمت بفضله وحده، وواجه فيها الأميركيين ومعارضة الفريق الأمني. هو بذلك يقول إن غالانت والجيش كانوا خائفين من تلك الخطوات، ويقول للإسرائيليين: أنا وحدي من حققت الإنجازات.
وهذا يوصلنا إلى بحث معنى توقيت هذه التصريحات؟
6
التوقيت مهم جداً، لأنه قد يقود إلى التفكير بأنه يسيل المنجزات ليستخدمها في فرض الحل السياسي لوقف الحرب على سقوف عالية من المطالب، بدلاً من أن يستمر بها، ويخاطر بالنزول من قمة الصعود التي وصلها.
وهذا يقود أيضاً إلى التفكير بأنه، ونظراً لخبثه، سيكون محفوزاً للتخلص من الحرب والانسحاب من الرهان، عند أعلى نقطة من المكاسب. فما سيأتي بعدها سيكون خساراتٍ واستعادة المقاومة المتواصلة لقدرتها على رسم مشهد مغاير يخلط الحسابات كلياً.
لكن تبقى نقطة خطرة جداً.
7
إذا خُيّر نتنياهو بين كل الضربات التي قام بها، وبين ضرب البرنامج النووي الإيراني، فتقديري أنه سيختار الأخير
ذلك أنه يرى الخطر الأكبر على الكيان هو في وصول إيران إلى حد الردع النووي، ثم ستكون قادرةً على تشغيل عداد نهاية إسرائيل.
لذلك، فإن المراوغة الآن مع الوقت، قد تفيد بأنه يراهن على اقتناص المشاركة الأميركية في هذا الرهان مع استلام ترامب أو قبله.
هذا هو الهدف الأعلى له، وقد يتخلى عنه لهدفٍ واحد آخر فقط، وهو مشاركة أميركية بإسقاط النظام في إيران، أو استهداف قائده.
لكن هل هذا واقعي؟
8
يشكل ترامب إدارته الآن، وهي ستكون من الصقور كما تشير إشاراتها الأولى. لكن ظروف ترامب2024 مختلفة تماماً عن طروف ترامب2016. فالصين أصبحت في مكان آخر. ثماني سنوات من التطور الإضافي عبرت بهم بكين مسافات طويلة في السباق مع أميركا. وإشعال الشرق الأوسط وخطوط مرور الطاقة، ومصادرها، قد يؤذي الصين بالتأكيد، لكنه سيغرق الوجود الأميركي في المنطقة بحرب استنزافٍ تنهي سباقها مع بكين لمصلحة الأخيرة. وبعد ذلك، لن تكون أميركا الأعظم مجدداً.
فهل يترك ترامب الجائزة الكبرى، من أجل نتنياهو؟ أم أنه سيرعى اتفاقاً يطلب فيه أمن إسرائيل في مقابل تغيراتٍ معقولة في المنطقة؟؟؟
