سلحوا الجيش تسليحاً جيداً وإلا “خلي السلاح صاحي” / غسان همداني
عندما سئِل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين عن اتهام الغرب له بأنه ديكتاتور ومهووس بالتسلح، كانت إجابته بأن حكى قصة من التراث الروسي.
قال: كانت هناك عائلة تملك مزرعة واسعة، فيها خيول وأبقار وأغنام وتنتج حقولها وبساتينها غلات وخيرات … وكان في كل أسبوع يذهب رب العائلة مع أولاده الكبار إلى السوق لبيع محاصيل المزرعة وجلب المال، وكانوا يتركون شاباً يافعاً يحرس المزرعة والبيت الذي تبقى فيه النساء، وكان الشاب مدرباً باحتراف على استخدام السلاح …
وفي أحد الأيام بينما هو يجوب أرض المزرعة ويحمي حدودها جاءه جمع من الرجال ليكلموه فأوقفهم بسلاحه على مسافة منه، فلاطفوه بكلام معسول
وقالوا له بأنهم مسالمين ولا يريدون سوى الخير له، ولم يكن أولئك الرجال إلا عصابة متمرسة في النهب والسرقة والسطو، فأروه ساعة يد فاخرة
جميلة وأغروه وهم يزينون له سلعتهم. أعجب الفتى بتلك الساعة وأبدى رغبته في امتلاكها فحين وثقت العصابة من تعلقه بالساعة وهو يسألهم عن ثمنها، قالوا له بأنهم يعرضون عليه مبادلتها ببندقيته.
فكر الفتى قليلا وكاد يقبل، لكنه تراجع ليقول لهم: انتظروني إلى يوم آخر.
انصرفت العصابة بعد أن فشلت في خداع الفتى وفي المساء حين عاد والده وإخوته حكى لهم القصة، وراح يذكر لأبيه فخامة الساعة وجمالها، فقال له أبوه: حسناً أعطهم سلاحك وخذ الساعة، وحين يهاجمونك ويسرقون قطعان ماشيتك وينهبون مزرعتك ويغتصبون أمك وأخواتك، انظر في ساعتك الجميلة وقل لهم وأنت تتباهى آه إنها تشير إلى كذا وكذا من الوقت.
فهم الولد وتمسك بسلاحه بقوة وأدرك أن الغباء والاندفاع وراء العواطف يعني الضياع والموت المحقق على يد أعدائه.
تتوالى الدعوات من قبل أفرقاء لبنانيين ومن دول غربية للمقاومة بتسليم سلاحها، والتوقف عن القتال، أو بمعنى آخر الاستسلام، مع محاولة بث الطمأنينة بأن القرارات الدولية ودول الغرب هي الضامنة للسلم في لبنان وردع العدو الإسرائيلي عن الاعتداء على لبنان.
لم يكن إنشاء المقاومة ” اللبنانية” في يوم من الأيام مشروعاً يراد منه فرض هيمنة أو تمرد على الدولة اللبنانية، بل كان رد فعل على تقاعس الدولة عن القيام بواجبها بردع العدوان الإسرائيلي على المدن والقرى اللبنانية، والتصدي لانتهاك هذا العدو للسيادة اللبنانية، والتلطي وراء شعار ” قوة لبنان في ضعفه”، والاستعاضة عن التصدي لهذا العدو بالشكوى على حائط مبكى الأمم المتحدة.
عندما أعلن الامام السيد موسى الصدر عن تأسيس أفواج المقاومة اللبنانية ” أمل” كان قد استنزف كل جهوده في حث الدولة اللبنانية على القيام بواجبها معلناً أنه ” إذا لم تدافعوا عن لبنان فسندافع عنه، إذا لم تقاتلوا في سبيله سنقاتل، لا نريد ولن نرضى أن ننتظر حتى تُحتل أرضنا وبعد ذلك نؤسس المقاومة لاستعادة الأرض المحتلة”، وأنه “يجب على الدولة تأمين وسائل الدفاع الحديثة صيانة لكرامة الوطن وسلامة اراضيه ونحن نؤكد على المطالبة بالتجنيد الإجباري وتسليح المواطنين وتعميم الملاجئ” وأن ” اقتناء السلاح والتدريب عليه هما اليوم واجبان كاقتناء القرآن لأن الخطر الصهيوني يتطلب ان يكون لدى المواطن أقل درجات الدفاع عن بيته” متسائلاً ” إن النشيد الوطني اللبناني يهتف بنا كل يوم سيفنا والقلم فأين السيف.. أين؟” .
إن من يدعون المقاومة لتسليم سلاحها كالذين طلبوا من الشاب الروسي تسليم سلاحه مقابل الساعة، وهذا يعني انتهاك سيادة الوطن، وكرامة الناس، واستباحة الأرض والعرض، ولن تنفع الشعارات بضمانة الدول الغربية وهذا ما اعلنه الإمام الصدر في العام 1973 ” لا أعتقد ان الضمانات تنفعنا ولا الجيوش المجاورة تساعدنا فإسرائيل باقية وليس في الأفق أنها تتراجع وتتقلص وأصبحت على مقربة منا طامعة في أرضنا”، وهناك مثل لبناني يقول ” من جرب المجرب كان عقله مخرب”، فمتى كان العدو الإسرائيلي يحترم قرارات الأمم المتحدة، ورئيس الكيان أعلن عدم اعترافه بهذه المنظمة، ومزق ميثاقها من على منبرها، وضرب عرض الحائط بكل القرارات الصادرة عن هذه المنظمة منذ العام 1947 حيث وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة في 29 نوفمبر/ تشرين الثاني على قرار تقسيم فلسطين إلى دولتين يهودية وعربية (فلسطينية) وتدويل منطقة القدس (أي جعلها منطقة دولية لا تنتمي لدولة معينة ووضعها تحت حكم دولي)، الى القرار 242 و425 وغيرها من القرارات، بالإضافة إلى 32000 انتهاك للقرار 1701، دون أن ننسى ما أقدم عليه العدو الإسرائيلي في العام 1996 من قصف مركز الأمم المتحدة في قانا الذي لجأ إليه المواطنون اللبنانيون هرباً من القصف الإسرائيلي معتقدين أن خيمة الأمم المتحدة تحميهم.
منذ اندلاع المواجهة بين المقاومة والعدو الإسرائيلي منذ العام 2023 أعلن لبنان دولة ومقاومة الالتزام التام بالقرار 1701، وارسال الجيش الى الجنوب، مع التأكيد على ضرورة التزام العدو الإسرائيلي بهذا القرار.
يُجمع اللبنانيون على دور الجيش ووطنيته، وكفاءته القتالية العالية، الا أن الكفاءة والشجاعة وحدها لا تكفي إذا لم تقترن بالتسليح الجيد عتاداً وعدة، وتشمل أسلحة عالية الدقة، ورفع الفيتو الإسرائيلي والغربي عن تسليح هذا الجيش، وعدم الاكتفاء بالتفضل عليه ببعض الخردة، بحيث ترتفع قدرته على التصدي للعدو الإسرائيلي إلى مستوى العدو نفسه، والا ستعود الأمور إلى ما كانت عليه قبل انطلاقة المقاومة، وحتى لا يتحول الجيش اللبناني إلى شرطي حدود مهمته تأمين الأمن للعدو الإسرائيلي وليس تأمين الحدود اللبنانية والدفاع عن سيادة الوطن، وهو امر مرفوض من الجيش اللبناني كما هو مرفوض من الدولة اللبنانية، وبالتالي فإن التروي بتسليم سلاح المقاومة هو قمة العقل، والذي يجب أن يترافق مع إقرار الاستراتيجية الدفاعية، خاصة وأن البيان الوزاري أكد على حق لبنان بمقاومة العدوان الإسرائيلي، وعليه سلحوا الجيش تسليحاً جيداً وخذوا سلاح المقاومة، وإلا ” خلي السلاح صاحي”.
