مع تشرين الثاني ، تناثرت كل أوراق التفاوض بالقوة والنار ، في إلزامية نزول نتنياهو وفريق عمله عن الشجرة ، التي كانوا يعتقدون أنه لن يصيبها يباس كيفما كانت أحوال الطقس السياسي ، في عناد طقوسهم الملتبسة وآداء فرائض التعدي والهيمنة والتحكم والسيطرة والتوسع..
ليست المرة الأولى التي يزور فيها المبعوث الأميركي لبنان ، يحتسب نفسه قادرا على خلق زوايا حادة ، يرسم من خلالها أطرا للحوار والتفاوض، فيصطدم ببديهة عالية الكفاءة، تعبر عن قدرة عالية وثابتة ، في إعادة تدوير الزوايا إلى ما ينسجم مع المصلحة اللبنانية العليا ، والمرونة أسلوب ابداعي لتظهير الحلول ، لكنها مشروطه بثوابت لبنان الوطن النهائي في حدوده ، وله وحده القرار في سلطاته المؤسسية والدستورية بما فيها الجيش اللبناني ، على تنفيذ التزامات تجاه المجتمع الدولي وليس تجاه عدو لا يؤتمن له في أي معاهدة أو قرار دولي.
القرار ١٧٠١ نجم التدويل ، الطرف اللبناني يريده نصا متكاملا في بنوده ولا يحتاج إلى ابتداع آليات تغير من أهدافه، مقابل دفع اسرائيلي تجاه العزف على بعض البنود واعتبارها غير صالحة وتحتاج إلى إعادة تدوير وتدويل ، أي عمليا إطلاق اليد في ابتكار خروقات مستمرة، واستباحة مستدامة للأرض والسماء والبحر.
الحراك اللبناني رضخ بكل مكوناته قناعة وليس عنوة ، أن دولة الرئيس بري يفاوض عن لبنان وليس عن طائفة ، عن بلد ووطن وليس عن منطقة ، باستثناء بعض من نشأوا في زواريب التربية على الحقد والخبث السياسي ، وإثارة نعرات يريدون لها إن تتوسع لاحداث فتنتين معا ، بين المقاومة وبيئتها ، وبين النزوح والبيئة الحاضنة. وتاليا التحريض على فرض التخلي عن عناصر القوة التي يكتسبها لبنان وهم بذلك يحلمون بنصر سياسي ، والأفق المطلوب تعديل اتفاق الطائف ونسف الدستور، وإصدار ورقة نعي للقرار الدولي ١٧٠١ وخلق هواجس في الإعلام والسياسة تحرض على حالة النزوح تحت عنوان الشكل الديمغرافي الجديد.
ان النزوح القسري ، ليس حالة سياسية ، والرهان على الوعي والنضوج والكرم اللبناني ، وهو أحد أهم ركائز التفاوض الثابتة في ضرورة التعامل مع لبنان الكيان وليس لبنان الطوائف والانقسام.
لقد رحل المبعوث الأميركي متأبطا أجندة مختلفة كليا عما حاوله تسويقه في قصر المقاومة وتم سحب كل عناصر التفخيخ ، بسلاسة المحاور وحزم المفاوض ، ونجح دولة الرئيس كما عهده ، في تغيير البوصلة ، وتجيير العرقلة والتسويف إلى الطرف الاسرائيلي ، الذي عمليا بات مربكا ، فما صنعه الميدان كان نكسة ، وما صنعه التفاوض غير المباشر انتكاسة عميقة في قاموس طموحاته بشرق أوسط جديد.