“الهوية” الشيعية والمشروع الوطني اللبناني / بقلم: الدكتور علي القزويني الحُسَيني
● اللبنانيون الشيعة ودورهم المحوري في لبنان الحديث
لعبت الطائفة الشيعية دوراً محورياً في الصراع السياسي اللبناني الحديث، خاصة مع صعود حزب الله كقوة إقليمية، ما حال، بحسب منتقديه، دون بناء الدولة “القوية”، نتيجة فائض القوة الذي يمثله.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
لطالما كان من الصعب إقناع هذه الطائفة، التي عانت ما عانته من تهميش وإقصاء وحرمان، بأن حماية حقوقها لا تحتاج إلى السلاح. وهذا يتطلب تغييراً فكرياً يعزز الإيمان بأن السلاح والجهاد الأصغر ليسا السبيل الوحيد للحفاظ على الحقوق. بدلاً من الانخراط في محاور وصراعات إقليمية، يجب التأكيد على أن انتماء الشيعة الحقيقي هو للوطن أولاً. إذ يمكن لهذه الطائفة، كما غيرها، أن تجد ضماناتها من خلال الحوار السياسي والمشاركة الفعّالة في بناء دولة حديثة مدنية تضمن المساواة والعدالة لجميع المواطنين.
● الثقة بالدولة: الأساس للتغيير
من أجل تحقيق ذلك، على الدولة، والتي لا بد لها أن تقوم يوماً، أن تبني وترسّخ الثقة لدى جميع الطوائف، لا سيما الطائفة الشيعية، بأنها تستطيع بجيشها أن تدافع عن الأرض والعرض على مساحة الـ ١٠٤٥٢ كم². وإلا، تبقى المقاومة المنبثقة من الشعب (غالباً أهالي القرى التي تتعرض للعدوان) هي المدافع الأول والأخير عن حقوقهم وبيوتهم وأرزاقهم وفلذات أكبادهم وأحلامهم.
بهذا، يمكن لمنتقدي الشيعية السياسية أن يطلبوا، وبرحابة صدر، أن يستبدل الشيعة نداء “لبيك يا نصرالله” بـ “لبيك يا وطن”، حين يشعر هؤلاء بأن الدولة قادرة على حمايتهم بشكل عادل.
● إرث الإمام السيد موسى الصدر: تجربة وطن
لا بد هنا من استحضار تجربة الإمام السيد موسى الصدر، رجل الدين والفيلسوف، الذي غُيّب عن الساحة السياسية اللبنانية في ظروف غامضة حتى تاريخه. ترك الإمام الصدر وراءه إرثاً في تعزيز الوحدة الوطنية والمساواة بين الطوائف.
حركة أمل، وإن قلّ أو كثُر منتقدوها و مؤيّدوها، أُسّست بقيادة الإمام، فجسّدت هذه المبادئ في مرحلة كانت فيها الطائفة الشيعية تشعر بالإقصاء. ولم يقتصر دور الإمام على تعزيز حقوق الشيعة، بل كان يعبر عن حلم أكبر: حلم بناء دولة مدنية يكون فيها الجميع سواسية، بعيداً عن الانقسامات الطائفية. وهنا القول الشهير للإمام الصدر: “الطوائف نعمة والطائفية نقمة.”
لطالما نادينا، أبناء مدرسة الإمام الصدر، بأن المقاومة يجب أن تكون شأناً لجميع اللبنانيين، بمعزل عن دينهم أو طائفتهم. فتحرير الجنوب وأراضيه المحتلة هو همّ وطني جامع.
وبالتالي، تسقط مقولة أن المقاومة يجب أن تكون فقط إسلامية، بل هي وطنية لبنانية. وهكذا كانت بدايتها قبل عام ١٩٨٢، عندما كانت المقاومة تعبيراً عن طموح وطني جامع. كما لا يمكننا أن نُغفل دور السيد الشهيد حسن نصرالله في “لبننة” المقاومة الإسلامية، إذ وجد مخرجاً لفكرة إقامة دولة إسلامية في لبنان، لإدراكه أن لبنان ليس إيران، بل وطن متعدد و”عنيد” بطوائفه.
● كربلاء: من التضحية إلى البناء
إن استحضار كربلاء في “الأدبيات الشيعية” يجب أن يتجاوز كونها ذكرى لصراع دائم، بل يجب أن يتم تفسيرها كقيمة نهضوية تُستلهم منها دروس التضحية من أجل البناء والسلام.
كما ضحى الإمام الحسين من أجل الإنسان، فإن بناء الأوطان يتطلب التضحية بكل ما هو سلبي من الانقسامات والصراعات الدموية. لا يجوز أن يكون تدمير “البشر والحجر الشيعي” أمراً مفروضاً، كما لو أن كربلاء هي قدر حتمي. بل يجب أن يُنظر إليها كرمز للتضحية الكبرى من أجل المبادئ الإنسانية التي نبني بها الدولة.
إذا كانت تضحية الإمام الحسين بقطع رأسه قد أصبحت رمزاً للفداء في التاريخ الإسلامي الشيعي تحديداً، فإن تضحية السيد المسيح بصليبه كانت قرباناً قدمه من أجل الإنسانية جمعاء.
في المسيحية، كما هو معلوم، يعكس صلب المسيح الفداء والخلاص، تماماً كما أن تضحيات الإمام الحسين تدعو إلى الصمود في وجه الظلم والاستمرار في طريق العدالة.
السيد المسيح والإمام الحسين واجها كلاهما قوى الاستبداد والظلم، وتضحيتهما تجسد معنى العطاء الكامل لأجل الخير العام، لا الفئوي المذهبي الطائفي، في سبيل مبادئ الحق والعدالة.
● دعوة للبناء والتعايش
إن تضحية الإمام الحسين، التي تجسدها حادثة كربلاء، يجب أن تكون عبرة تُحفز الأجيال على بناء مجتمع يسوده السلام والتعايش. يجب أن تُقرأ كربلاء كدعوة لبناء وطن يعزز الروح الوطنية وينبذ الفرقة، وليس فقط كسبب لاستمرار الصراع.
لا يمكن لأي مجتمع أن يستمر في تدمير نفسه بحجة صراع دائم، خصوصاً عندما يُوحى إليه بأن كربلاء هي “قدر” لا يمكن الخروج منه. بل على العكس، يجب أن يكون الاستلهام من كربلاء مشروعاً نهضوياً لبناء الدولة، والتي عليها بدورها أن تبني وترسّخ الثقة لدى جميع مكونات الوطن الواحد النهائي لجميع أبنائه.
