الشرق الأوسط “السهل اللا ممتنع”: هل انتهى تنفيذ بنود الصفقة المزعومة مع انتهاء حكم النظام السوري؟
بقلم: الدكتور علي القزويني الحُسَيني
بعد العدوان على لبنان في أيلول ٢٠٢٤ وما تبعه من حملة عسكرية استهدفت النظام السوري الحالي، بدأت تتكشف خيوط لعبة جيوسياسية معقدة تشير إلى احتمال وجود تفاهمات خفية بين القوى الكبرى والإقليمية. السؤال الذي يطرح نفسه: هل نحن أمام “ديل” روسي-أمريكي (جمهوري) يعيد رسم ملامح المنطقة؟ وكيف يمكن تفسير التحركات الإسرائيلية في هذا السياق؟ الكيان الإسرائيلي نفسه الذي صرح رئيس وزرائه اليوم أن “هضبة الجولان ستبقى إلى الأبد جزءاً لا يتجزأ من إسرائيل!”
● “الصفقة” الروسية-الأمريكية المزعومة: أوكرانيا مقابل سوريا؟
تُرجح المعطيات الميدانية أن هناك صفقة غير معلنة بين روسيا والولايات المتحدة تقوم على تبادل مناطق النفوذ. فقد يشير تركيز روسيا على أوكرانيا إلى رغبتها في استعادة السيطرة الكاملة على هذا الملف الشائك، مقابل تقليص نفوذها في سوريا، ما يفسر الحملة الأخيرة ضد النظام السوري ورفع ال”غطاء” عنه بالرغم من كونه ورقة روسيا الأقوى (والوحيدة بهذا الحجم!) في المنطقة.
إضعاف النظام السوري الذي أدى إلى انهياره ليس بصدفة، بل قد يُفسَّر كجزء من اتفاق أوسع يسمح للولايات المتحدة باستعادة وتعزيز وهج موقعها الإقليمي عبر تقويض ما يسمى ب”محور المقاومة” أو “الممانعة”، كما يسميه منتقدوه، خاصة إذا أُرفق هذا التغير بتحييد أو تحجيم الدور الإيراني في المنطقة.
●تسليم النظام السوري دون قتال: تشابه مع ما حدث في عراق صدام حسين مع فارقٍ بسيط
ما يثير الانتباه في هذا السياق هو الاحتمال القوي لتسليم النظام السوري الحكم دون قتال، وهو ما يذكرنا بما حصل خلال سقوط حكم الرئيس صدام حسين في العراق. لكن الفارق هنا أن الرئيس بشار الأسد كان على علم مسبق برفع الغطاء عن نظامه من قبل الروس، وهو ما يفسر الخطوات التي اتخذها بشكل تدريجي للتكيف مع هذا التغيير.
الزيارة الأخيرة المفاجئة للأسد كانت بطلب من الرئيس فلاديمير بوتين، لإبلاغه بتوجهات جديدة عليه القبول بها. هذا اللقاء الخاطف عكس التحولات الكبرى التي عاشها النظام السوري في أيامه الأخيرة في وقت وجد فيه نفسه أمام مفترق طرق إقليمي ودولي، حيث أصبح من الواضح أن روسيا قد بدأت، مرغمة أم مبادِرةً، تُراجع أولوياتها في سوريا خاصة مع وصول ترامب إلى البيت الأبيض.
للمفارقة وبعيداً من التحليل السياسي البحت وبالنظر إلى مشاركة ترامب وزيلينسكي في حفل إعادة افتتاح كاتدارئية نوتردام في العاصمة باريس، فالتحليل السيميائي (للخبراء في السيميائيات) للصورة أو لمقطع الفيديو الذي جمع بين الرئيسين الآنفين الذكر يتوسطهما الرئيس الفرنسي كان (-ت) كفيلاً (كفيلةً) لإظهار التباين الكبير بين الإدارة الأميركية الحالية التي تعيش أيامها الأخيرة والإدارة الجديدة : وجه ترامب العبوس كان كفيلاً بتفسير ما قد يكون بانتظار الرئيس الأوكراني وكان ذلك عشية التغيبر في سوريا!
●لبنان والعراق واليمن: “ثالوث المقاومة” المهدورة دماؤه؟
يبقى “الثالوث” المتمثل بلبنان والعراق واليمن محور التركيز في أي صفقة محتملة لإعادة ترتيب المنطقة.
◇ في لبنان ، يُطرح السؤال حول مصير المقاومة، وهل كان تسليم رأسها المتمثل بأمين عامها، السيد الشهيد وقادة صفٌيها الاول والثاتي جزءًا من هذه الصفقة لإعادة تشكيل توازن القوى الإقليمي؟ هذا وشهدنا انسحاب مقاتلي الحزب من القصير الحدودية التي كانت رمزاً لتثبيت معادلة الردع التي أرستها المقاومة عبر انخراطها في الحرب السورية ودفاعها عن النظام لحماية خطوط إمدادها بالسلاح كما و”منع التدفق التكفيري” إلى عقر دارها آنذاك.
◇ أما في العراق، الذي يشكل نقطة ارتكاز استراتيجية لإيران والولايات المتحدة، فقد يكون الساحة القادمة التي ستشهد مزيداً من المواجهات أو التفاهمات، في ظل مساعٍ، وهو الأمر الليس بالجديد، لإضعاف النفوذ الإيراني وتقليص دور التنظيمات العسكرية الإقليمية المرتبطة به، على غرار الحشد الشعبي.
◇ وأخيراً في اليمن، يبدو أن العمل جارٍ لعملية “احتواء” الحوثيين عبر الضربات المباشرة التي كان قد نفذها التحالف البريطاني-الأمريكي. هذا التطور ساهم كذلك بنتائجه في تخفيف الضغط على المملكة العربية السعودية، ما قد يشير إلى أن اليمن كان جزءًا من ترتيبات أكبر تهدف إلى تحييد التهديدات الإقليمية الرئيسية وبخاصة تلك المتعلقة بضمان سلامة الملاحة التجارية في البحر الأحمر التي أثرت على مصالح التجارة العالمية ومن ضمنها مصالح الصين، حليفة روسيا، وتقاطع مصالحهما لما تحمله من عداوة، او أقله منافسة، مع أميركا.
● هل انتهت الصفقة أم للبحث تتمة؟
ما يحدث اليوم ليس مجرد صفقات جزئية بل إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط، حيث يتم احتواء أزمات قديمة مقابل خلق توازنات جديدة. إذا كانت الصفقة قد تمت، فإنها لم تنتهِ بعد، بل قد تكون بداية لمسار طويل يعيد ترتيب المصالح والنفوذ في المنطقة. والمستفيد الأول هو الكيان الإسرائيلي ومن خلاله الولايات المتحدة وتركيا الرئيس رجب طيب إردوغان لكبح التطلعات الكردية.
السؤال الذي يبقى: بعد الطوفان والعدوان و”الاستهجان”، ما هو الدور القادم لكل طرف؟ وهل سيبقى اللاعبون الإقليميون أسرى المصالح الدولية أم سيجدون طريقًا نحو صياغة رؤية مستقلة لمستقبل المنطقة؟
