بين ترقيم وترميم وتأميم: هنا الضاحية./ نادين خزعل.
27 أيلول: النزوح القسري عن الضاحية الجنوبية.
27 تشرين الثاني: إقرار وقف إطلاق النار.
9 كانون الأول: انتهاء ترميم وتوضيب المنزل والعودة إلى الضاحية الجنوبية..
تواريخ ليست مجرد أزمنة، فكم من فقد وكسر وألم وانتكاس وخوف ودم ودمع تواءم معها؟
الليلة الأولى في الضاحية الجنوبية واكتشاف جديد وسبر غور الكثير….وكم تغيرت الضاحية!
مبانٍ مدمرة، محروقة، شاهدة على نار الحقد والهمجية والغدر..
خرائط شوارع وطرقات غيرت ملامحها خرائط الانذارات الوحشية..
والضاحية أبية عصية، غادرناها ولم تغادرنا ولن تغدرنا، تغيرت ملامحها ولم يتغير عشقنا لها…
وآخ من الركام والحطام، كم قبعت تحتهما أحلام وكم وُئدت ذكريات، أخافت العدو فاستطال عليها حقدًا ووحشية وهمجية ولكن…
هنا الضاحية: يُكسَرُ الحجر ولا يُكسَرُ البشر…يفنى البناء ولا يفنى الانتماء…
هنا الضاحية: لا يهزمها دمار ولا تحرقها نار ولا يمحو أثرها قرار..
وألف آخ على امتداد الجغرافيا والمواقع المرتبطة بتاريخ المناطق والتي استهدفها العدو الجبان، من حارة حريك جامع الحسنين و المكتبة العلمية والكافيه 77 والحوزة العلمية وملعب الراية، إلى برج البراجنة السوق وفرن السياد وعين الدلبة إلى تحويطة الغدير مطعم الهلال ونزلة عواد إلى الشياح سوق الجمال وشارع عبد الكريم الخليل وأسعد الأسعد، إلى الطيونة جلال علامة والبيروت مول إلى المشرفية التقاطع إلى معوض العلاقات الاعلامية والساعة وألبان أبو علي وسوق معوض التجاري إلى روضة الشهيدين وكشافة الرسالة وإذاعة الرسالة إلى حي السلم السوق والموقف رقم 4 إلى الليلكي الساحة وحسينية الإمام علي إلى حي الجامعة كلية العلوم وملعب الفوتبول وتشيلو وجاست فاجيتا إلى السانت تيريز يحيى شوب وباب الحارة إلى الكفاءات البنك اللبناني الفرنسي وشاورما بدر إلى أوتوستراد السيد هادي نصر الله أفران الوفاء وبن عدنان وحرقوص تشيكن إلى المريجة البلدية و سوبر ماركت بيضون وأزهار لارا وأوجيرو إلى صفير شاكليت كايك وأفران الأمراء والشارع الصيني إلى طريق المطار الغولدن بلازا والموسوي إلى الغبيري الجسر القديم والرحاب والسنتر الطبي إلى بئر العبد دار الحوراء ومحطة دياب و الشرح يطول والتفصيل يتشعب فهي تفاصيل عناوين كان لا يعرفها سوى أبناء الضاحية ولكن تعرف عليها كل العالم عبر خرائط العدو و المربعات الحمراء… ولكن من قال أنها عناوين تختصر وتختزل بمربعات؟
هي عناوين محفورة في الوجدان ومرتبطة بأحداث ومواقف، هي عناوين من الضاحية الجنوبية الشهيدة الشاهدة على أن العدو أراد تأليم أهل الضاحية لتأليبها وتأديبها ولكنه خاب….
الجغرافيا أم التاريخ؟
للعدو الجغرافيا ولنا التاريخ…
والتاريخ يعيد بناء الجغرافيا…
الأماكن التي حددها العدو يومًا عبر خرائط الترقيم، سنحييها بالترميم..
أيضًا..
مع كنس الغبار عن الشوارع، سنمحو غبار الخوف العالق في دواخلنا، وسنصفع الهزيمة ونردمها بردميات الحجارة، لأننا رغم الخسارة لن نُهزم….
صمودنا على الألم وتعالينا عن الجراح وتغاضينا عن الفقد سيعيد ترميمنا….
محطمون نحن نعم ولكن لسنا مهزومين…
منتكسون نحن نعم ولكن لسنا منكسرين…
هنا الضاحية الجنوبية الأبية، قربان الفداء عن الوطن مع الجنوب والبقاع وبعلبك، ولكن نحن أبناء هذا الوطن وهذا الوطن الذي ذودًا عنه جُدنا وما بخلنا بأرواحنا وبأبنائنا وأرزاقنا وبكل ما يقتضيه البذل، هذا الوطن الذي احتضن نزوحنا ببيروته وشماله وجبله وإقليمه والذي ألف شكرًا له عليه أن ينصفنا فنحن أبناء “كلنا للوطن كلنا للعلم”، وعلى مؤسساته أن لا تلفظنا وأن لا تهملنا وأن لا تتجاهلنا…. نحن أبناء هذا الوطن الذين أصاب ضاحيتهم سقم وهل يهمل الأهل ابنهم العليل….
يا دولة وطننا أينك من رفع دمار مبانينا وإزالة نفاياتنا وتصليح كهربائنا ومائنا ومساعدتنا لتأهيل منازلنا ومحالنا ومستشفياتنا؟
يا دولة وطننا أينك من مسح ما تهدم من منازلنا والكشف على ما بقي منها؟
يا دولة وطننا، الضاحية الجنوبية هي من الـ10452 كم مربع، وهي تئن فأنصتي إلى أنينها وداوها وابحثي عن دوائها…
يا دولة وطننا، أمسكي بيد الضاحية الجنوبية لتقوم من تحت النار والدمار، ونصّبيها الشاهدة على الانتصار….
