العراق ولبنان: أخوّة الدعم والخطر المشترك/د.علي القزويني الحُسَيني
تأكيداً للمؤكد، فإن العراق، بقيادته السياسية والروحية، نموذجٌ للكرم والتآزر. والدعم العراقي الاقتصادي المتمثل بالنفط، لم يكن فقط للبنانيين من أبناء الطائفة الشيعية. يتميّز البلدان الأخوان بعلاقة تاريخية طويلة من التعاون والتضامن. فقد ارتبط البلدان تاريخياً بروابط ثقافية، تربوية، اجتماعية، ودينية عميقة، تجسّدت في مختلف فترات الزمن. في العقود الأخيرة، ومنذ بداية الأزمات الإقليمية، أظهر العراق دعماً متواصلاً للبنان في مختلف المجالات، خاصة في أوقات الأزمات السياسية والاقتصادية. هذه الأخوّة تجد تعبيرًا عمليًا في تقديم الدعم الإنساني والاقتصادي، ما يعكس الارتباط العميق بين الشعبين.
● الدعم الاقتصادي: النفط العراقي عصب الدعم الرئيسي للبنان
العراق، الذي يعتبر من أكبر الدول المنتجة للنفط في العالم، كان دومًا حليفًا رئيسيًا للبنان في مجال الطاقة. من خلال إمدادات النفط بأسعار ميسّرة، ساعد العراق لبنان في مواجهة الأزمات الاقتصادية المتعاقبة، خصوصًا في ظل الانهيار المالي الكبير الذي يعيشه لبنان منذ سنوات. هذا الدعم لم يكن اقتصاديًا فقط، بل إن العراق أثبت التزامه الدائم بتقديم المساعدة العاجلة في مختلف الظروف الصعبة، ليكون بذلك حائط صد ضد الأزمات.
● دور المرجعية الدينية في تعزيز القيم الإنسانية: صوت الحكمة والكرامة
لا يمكن الحديث عن دور العراق دون التطرق إلى المرجعية الدينية. لطالما كانت هذه الأخيرة، وعلى رأسها آية الله العظمى السيد علي السيستاني الحسيني، صوتًا للحكمة والاعتدال، وحاضرةً بقوة لدعم القيم الإنسانية. السيد السيستاني يُعتبر ركيزة أساسية في توجيه الشعب العراقي نحو التضامن مع الشعوب العربية والإسلامية. مواقفه الثابتة في الدعوة للحوار والتسامح، وتأكيده على أهمية حماية كرامة الإنسان بغض النظر عن الدين أو الطائفة، جعلت من العراق منارةً للسلام وداعمًا حقيقيًا لقضايا المنطقة. هذه المرجعية تدعو باستمرار إلى نبذ الطائفية وتعزيز الوحدة الوطنية، إذ لعبت دورًا حاسمًا في توجيه العراق نحو المساعدة الإنسانية للبنان، معتبرةً أن الوقوف مع الشعوب المظلومة واجب أخلاقي وإنساني.
في أوقات الأزمات، سيما في ظل العدوان الأخير على لبنان، كانت إرشادات السيد السيستاني داعمةً وبقوة، لاستقبال “الضيوف” اللبنانيين وتقديم العون لهم كواجب ديني، أخلاقي وإنساني.
● العراق في لبنان: دور جمعية آل البيت”
في خضم هذه الأزمات السياسية والاقتصادية التي واجهت لبنان ولا تزال، استكمل العراق دوره الأخوي البارز في مد يد العون للبنانيين الذين هجّروا بفعل العدوان الصهيوني وغاراته العنيفة على الضاحية الجنوبية، البقاع، والجنوب. فلم يكن هذا الدور محصورًا في التصريحات الدبلوماسية بل امتد ليشمل دعمًا فعليًا، من خلال مؤسسات إنسانية عراقية مرتبطة بالمرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف. من بين هذه المؤسسات، برز دور “جمعية آل البيت” في لبنان، التي تعمل تحت رعاية مكتب ممثل المرجع الديني الأعلى، السيد السيستاني. منذ تأسيسها عام ٢٠٠٧ في بيروت، قدّمت الجمعية خدمات إنسانية واجتماعية متعددة، وكانت في طليعة الجهود الرامية إلى مساعدة النازحين اللبنانيين المتضررين عبر توزيع المساعدات الغذائية والمالية وتقديم الرعاية الطبية.
● تحديات أمنية مشتركة: الخطر على العراق اليوم أكثر بكثير مما كان عليه البارحة
على الجانب الآخر، يواجه العراق تحديات أمنية خطيرة، مرتبطة بشكل مباشر بتداعيات المشهد السوري المضطرب. تشير تقارير إلى محاولات لتنشيط الخلايا الإرهابية في العراق، بدعم من جهات أجنبية وإقليمية، بهدف زعزعة استقراره. كما أفاد مسؤولون أمنيون بأن هناك تحركات لإعادة هيكلة تنظيمات إرهابية مثل “داعش”، ما يعكس تهديدًا حقيقيًا للأمن القومي العراقي. هذه التهديدات تُعيد إلى الأذهان التحديات السابقة التي واجهها العراق، لكنها تتطلب اليوم يقظة مضاعفة، نظرًا لتشابك المصالح الدولية والإقليمية في المنطقة.
● العراق ولبنان.. أخوّة تتحدى الصعاب
يجسد إذاً العراق ولبنان أنموذجًا حيًا للأخوة العربية التي يحلم بها كل عربيّ شريف. هذه الاخوة تتخطى الحدود الجغرافية، لتواجه المخاطر المشتركة بروح التعاون والتضامن. إن الجهود العراقية لدعم الشعب اللبناني هي انعكاس للقيم العربية الإنسانية التي تعزز من وحدة المنطقة، رغم كل التحديات والتهديدات. ومن هنا، نشدد على أن تبقى هذه العلاقة مسارًا يحتذى به في مواجهة الأزمات، لترسيخ الاستقرار وبناء مستقبل أفضل لكافة الشعوب العربية، آملين، متضرعين متوسلين أن تبقى حائط صدّ ضد محاولات تقسيم المنطقة.
