استهداف طرطوس: سوريا الجديدة في مهب الريح
كتب الدكتور وسيم جابر
في تطور دراماتيكي يعكس عمق التحولات في المشهد السوري، استخدمت إسرائيل قنابل شديدة الانفجار – يُعتقد أنها نيوترونية – في قصف مدينة طرطوس الساحلية. يأتي هذا التصعيد في لحظة فارقة تشهد إعادة تشكيل خريطة النفوذ الإقليمي في سوريا، بين تركيا المنتشية بنجاح حلفائها في المعارضة، وإسرائيل الساعية لتثبيت مصالحها الأمنية، وروسيا وإيران المتمسكتين بآخر نقاط نفوذهما.
اختيار طرطوس لهذه الضربة النوعية يحمل دلالات متعددة الأبعاد. فالمدينة لا تمثل فقط آخر معاقل النفوذ الروسي والإيراني، بل تشكل أيضاً نقطة توازن استراتيجية في معادلة النفوذ الجديدة مع تركيا، التي نجحت في تأمين نفوذ قوي لحلفائها في دمشق والشمال السوري.
تدرك إسرائيل أن نجاح المعارضة المدعومة تركياً في السيطرة على دمشق يمثل تحولاً جذرياً في موازين القوى. لكنها تسعى عبر هذه الضربة النوعية وتقدمها البري نحو دمشق لإرسال رسالة واضحة: أن أي ترتيبات أمنية جديدة في سوريا يجب أن تأخذ بالاعتبار المصالح الإسرائيلية، وأن النفوذ التركي المتصاعد لن يكون بديلاً عن الوجود الروسي والإيراني دون ضمانات أمنية إسرائيلية.
غير أن التطور الأكثر خطورة الذي تكشفه هذه الضربة النوعية هو مدى هشاشة السلطة الجديدة في دمشق وتثبيت اسرائيل بالقوة ضم الجولان اليها. فبعد أسبوع واحد فقط من سيطرتها على العاصمة، تجد نفسها عاجزة عن منع التوغل الإسرائيلي البري الذي وصل إلى مسافة 15 كيلومتراً من دمشق، أو الاعتراض على استخدام أسلحة متطورة في الأراضي السورية ذات رسائل في عدة إتجاهات.
هذا العجز يكشف حقيقة مُرّة: أن سوريا، التي كانت يوماً قوة إقليمية وازنة، تحولت إلى ساحة مفتوحة للعمليات العسكرية الإسرائيلية. فبينما تنشغل السلطة الجديدة في ترتيب أوراقها الداخلية وتثبيت حكمها في دمشق، تتحرك إسرائيل بحرية غير مسبوقة في الأجواء والأراضي السورية، مستغلة حالة الضعف والانقسام التي تعيشها البلاد.
وفي ظل هذا الواقع الجديد، تبدو سوريا أقرب إلى ساحة صراع إقليمي منها إلى دولة ذات سيادة. فالتغييرات الأخيرة، بدلاً من أن تعزز السيادة السورية، يبدو أنها فتحت الباب على مصراعيه أمام تدخلات إقليمية غير مسبوقة، مع تحول البلاد إلى ميدان مفتوح للنفوذ الإسرائيلي والمصالح الإقليمية المتضاربة.
