“برنامج ميني مافيا: بين براءة الأطفال وحسابات الإعلام”

كاتبة وباحثة سياسية / محررة اخبار
بعد 66 يومًا من الحرب على لبنان، وفي وقت يحتاج فيه الشعب اللبناني إلى تعزيز الوحدة الوطنية والتكاتف لمواجهة التحديات الاقتصادية والسياسية، يأتي برنامج “ميني مافيا” الذي أثار جدلا واسعا على قناة “الجديد”، ليطرح تساؤلات عميقة حول أهدافه وتوقيته وتأثيره على الساحة اللبنانية، خصوصًا في ظل بيان القناة الذي سعى لتبرير محتواه وتوضيح نواياه.
تابع ZNN على تيليغرام
احصل على آخر الأخبار فور حدوثها.
“ميني مافيا” يتناول مواضيع سياسية واجتماعية عبر أصوات الأطفال، مقدمًا إياهم كأصحاب مواقف وآراء قد تكون بعيدة عن قدرتهم الحقيقية على الفهم والاستيعاب. فمن خلال طرح أسئلة حساسة للأطفال، يجد البرنامج نفسه في دائرة الاتهام باستغلال براءتهم لأهداف تتجاوز الترفيه، وتدخل في خدمة أجندات إعلامية أو سياسية معينة.
فيما أشارت قناة “الجديد” في بيانها إلى أن الهدف من البرنامج هو تسليط الضوء على مواهب الأطفال وتعزيز وعيهم تجاه قضايا المجتمع، مؤكدة أنها قامت بحذف مقاطع تجاوزت براءة الأطفال وسنهم.
في أعقاب حرب ضروس دامت 66 يومًا، حيث كان حزب الله محور النقاشات السياسية الداخلية والدولية، يظهر برنامج كهذا ليعيد إحياء الانقسامات الطائفية بطريقة خفية. توقيت البرنامج يشير إلى محاولة خلط الأوراق، خصوصًا أن الحلقة التي انتشرت
تطرقت إلى مواضيع تحمل تحريضًا مبطنًا، كالتسليط الضوء على الفجوات الطائفية والسياسية.
رغم بيان قناة “الجديد” الذي أشار إلى نيتها تعزيز الحوار والتوعية، إلا أن المحتوى يحمل تأثيرًا عكسيًا. إذ يُظهر البرنامج الأطفال وكأنهم جزء من صراع سياسي، ما يُغذي الانقسامات الطائفية بشكل غير مباشر. ففي حين تسعى جهات إعلامية إلى التركيز على مواضيع تعزز السلم الأهلي، يأتي هذا البرنامج ليعيد إشعال الجدل، ويزرع في عقول الأطفال والناشئة مفاهيم مشوهة قد تعزز الكراهية أو التفرقة بدلاً من الحوار الوطني.
وفي ضوء بيان قناة “الجديد”، يبدو أن هناك فجوة بين النوايا المعلنة والأثر الفعلي للبرنامج. الإعلام اللبناني، بما يحمله من مسؤولية كبيرة، يجب أن يكون أكثر وعيًا بتأثير محتواه، خاصة في فترة حرجة مثل ما بعد حرب الـ66 يومًا. إذا كان الهدف حقًا هو تعزيز الوعي والحوار، فإن استغلال براءة الأطفال لهذا الغرض يُعتبر أسلوبًا غير ملائم، ويحتاج إلى إعادة نظر.
من هنا، نوجه دعوة إلى المؤسسات الإعلامية اللبنانية لعدم الزج بالأطفال في برامج ذات طابع سياسي، وحماية براءتهم من استغلال يضرهم أكثر مما ينفعهم. كما يجب على وسائل الإعلام أن تكون أكثر وعيًا بأثر برامجها على المشهد الوطني، وأن تتوخى الحذر في توقيت وأسلوب طرح مواضيعها.
كما ونقول للأهالي الذين يرسلون أطفالهم للمشاركة في هذا النوع من البرامج: حماية أطفالكم مسؤوليتكم الأولى. براءة طفلكم ليست أداة للإعلام أو السياسة، بل كنز يحتاج إلى الرعاية والتوجيه السليم. فكّروا مليًا قبل أن تدفعوا بأطفالكم إلى مواجهة قضايا أكبر من أعمارهم.
برنامج “ميني مافيا“، رغم تبريراته، يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول استغلال الأطفال في الإعلام لأهداف تتعدى الترفيه أو التعليم. بيان قناة “الجديد” قد يعكس محاولة لتخفيف الانتقادات، لكنه لا يبرر الأثر السلبي الذي تركه البرنامج في أذهان المتابعين، خصوصًا في ظل سياق سياسي شديد الحساسية. وعلى الأهالي أن يدركوا أن مشاركة أطفالهم في مثل هذه البرامج قد تكون بابًا لمخاطر مستقبلية أكبر.
ختامًا، نحن بحاجة إلى خطاب إعلامي يعزز السلم الأهلي ويعيد بناء الثقة بين مكونات المجتمع، لا إلى برامج تزرع بذور التفرقة تحت غطاء الترفيه.
