الأزمة السياسية في لبنان تكرس حُكم الجنرالات في سدة الرئاسة

رئيس التحرير| كاتب وباحث سياسي
منذ استقلال لبنان، لعب الجيش دوراً محورياً في الحياة السياسية، حيث شهدت الجمهورية اللبنانية صعود عدد من الجنرالات إلى كرسي الرئاسة. ارتبط هذا المسار بتاريخ مضطرب، عاكساً دور المؤسسة العسكرية في حفظ الاستقرار، ومواجهة الأزمات، وفي بعض الأحيان إدارة البلاد خلال الفترات الأكثر تعقيداً.
الجنرالات في قصر بعبدا: مسار متشابك
- فؤاد شهاب (1958-1964):
يُعتبر فؤاد شهاب أول جنرال يتولى رئاسة الجمهورية بعد أن قاد الجيش في أصعب مراحل الأزمة اللبنانية في عام 1958. ارتبط عهده بما عُرف بـ”الشهابية”، التي هدفت إلى تعزيز مؤسسات الدولة وتحقيق العدالة الاجتماعية. - إميل لحود (1998-2007):
جاء لحود إلى الرئاسة بدعم من النظام السوري، وشهدت فترته هيمنة سياسية سورية على لبنان حتى اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري عام 2005، ما أدى إلى انسحاب القوات السورية وتصاعد الأزمات السياسية الداخلية. - ميشال سليمان (2008-2014):
تولى سليمان الحكم بعد أزمة الفراغ الرئاسي التي أعقبت انتهاء ولاية لحود. ارتبط عهده باتفاق الدوحة، إلا أنه واجه تحديات كبرى أبرزها الانقسام السياسي الحاد وأزمة اللاجئين السوريين. - ميشال عون (2016-2022):
الجنرال الذي لطالما كان مثيراً للجدل في الساحة اللبنانية، وصل إلى الرئاسة بعد تسوية سياسية داخلية. انتهى عهده بأزمة اقتصادية خانقة وغياب الاستقرار السياسي، مما ترك فراغاً في سدة الرئاسة.
جوزاف عون: هل يكون الجنرال الجديد؟
مع اقتراب موعد انتخاب رئيس جديد، يبرز اسم قائد الجيش الحالي جوزاف عون كمرشح توافقي. يحظى بدعم خارجي، خاصة من الولايات المتحدة وفرنسا، نظراً لدوره في الحفاظ على استقرار الجيش وسط الأزمة الاقتصادية. داخلياً، يبقى السؤال حول توافق القوى السياسية على انتخابه، خاصة في ظل الانقسامات الحادة بين الأطراف.
دور السعودية ومعادلة “عون يساوي الإعمار”
في ظل التجاذبات السياسية الإقليمية، يبرز دور المملكة العربية السعودية كلاعب رئيسي في اختيار رئيس جديد للبنان. أشارت تقارير إلى دعم سعودي محتمل لترشيح جوزاف عون، ضمن رؤية شاملة لإعادة الاستقرار إلى لبنان. يقال إن الرياض ترى في انتخاب جوزاف عون فرصة لتحقيق توافق لبناني-دولي يمهد لبدء عملية إعادة إعمار البلاد، خصوصاً مع استعدادها لدعم مشاريع اقتصادية كبرى بشرط وجود رئيس قادر على تنفيذ إصلاحات هيكلية.
معادلة “عون يساوي الإعمار” أصبحت محور النقاش في الأوساط السياسية، حيث يُطرح اسم جوزاف عون كمرشح يجمع بين القدرة على ضبط الوضع الأمني وإعادة بناء مؤسسات الدولة بالتعاون مع المجتمع الدولي والدول الخليجية. لكن، هل ستتمكن السعودية من حشد الدعم الإقليمي والمحلي لتحقيق هذا السيناريو؟
الأحزاب المسيحية والجنرالات: علاقة معقدة
الأحزاب السياسية المسيحية في لبنان تنقسم في رؤيتها تجاه حكم الجنرالات.
- القوات اللبنانية: تنتقد بشكل عام تدخل الجيش في السياسة، مفضلة قيادة مدنية قوية.
- التيار الوطني الحر: ينظر إلى الجنرالات، خاصة ميشال عون، كرموز قومية ودينية، إلا أن التيار يرفض أي جنرال لا يتوافق مع مشروعه السياسي.
- الكتائب اللبنانية : تنظر إلى حكم الجنرالات لاسيما جوزاف عون كمخرج هام لتؤكد حضورها من خلال دعمه وكي لا تكون تابعة في اي خيار آحر للقوات اللبنانية أو التيار الوطني الحر.
- تيار المردة : من التيارات المسيحية التي تدفع الثمن دائما منذ ميشال سليمان مرورا بميشال عون وصولا إلى جوزاف عون فقدرها أن تتنازل انسجاما مع الإجتماع الوطني .
الخلاف الأبرز يعود إلى مخاوف الأحزاب من أن الجنرالات قد يستخدمون دعم المؤسسة العسكرية لتجاوز الأحزاب أو لإضعاف دورها التقليدي في النظام الطائفي اللبناني.
