المفاوضات تحت النار: عندما يصبح وقف إطلاق النار موضوع التفاوض لا شرطه
كتب د. فريد جبور
تكشف المعطيات الواردة في الصحف اللبنانية الصادرة صباح 30 أيار 2026 عن مفارقة سياسية واستراتيجية بالغة الأهمية. فبعد أكثر من تسع ساعات من النقاشات، لم يتمكن الوفد اللبناني من الحصول على التزام إسرائيلي بوقف إطلاق النار أو الانسحاب من المناطق التي تحتلها إسرائيل، فيما استمرت العمليات العسكرية والتوغلات الميدانية بالتوازي مع استمرار المحادثات.
في الظاهر تبدو القضية خلافاً حول ترتيبات أمنية أو عسكرية، إلا أن جوهرها أعمق من ذلك بكثير. فلبنان دخل المفاوضات انطلاقاً من قاعدة مفادها أن وقف إطلاق النار هو المدخل إلى أي نقاش آخر، بينما يبدو أن إسرائيل دخلت المفاوضات من قاعدة مختلفة تماماً تعتبر أن الأمن والترتيبات العسكرية ونزع مصادر التهديد المزعومة يجب أن يسبق أي انسحاب أو أي وقف نهائي للعمليات العسكرية.
وهنا تظهر المعضلة الأساسية: الطرفان لا يتفاوضان فقط على الحلول، بل على تعريف المشكلة نفسها.
فالوفد اللبناني يتعامل مع استمرار القصف والتوغلات والاحتلال باعتبارها خرقاً قائماً يجب وقفه أولاً، بينما تتعامل إسرائيل مع هذه الأعمال باعتبارها جزءاً من إدارة التهديدات وليست عائقاً يمنع استمرار التفاوض. ومن ثم فإن المفاوضات تجري فوق أرضية قانونية وسياسية غير مشتركة.
وتزداد هذه الإشكالية خطورة عندما تتحول مسألة وقف إطلاق النار نفسها إلى موضوع تفاوض بدلاً من أن تكون شرطاً سابقاً للتفاوض. ففي التجارب الدبلوماسية الكلاسيكية يُفترض أن يؤدي وقف النار إلى خلق بيئة تسمح بالحوار، أما في الحالة الراهنة فيبدو أن الحوار يجري بينما لا يزال النزاع العسكري مستمراً، ما يضعف الثقة ويجعل كل تقدم سياسي رهينة للتطورات الميدانية.
إن القراءة الموضوعية لما نشرته الصحف تشير إلى أن إسرائيل تحاول التفاوض من موقع القوة الميدانية، مستفيدة من استمرار وجودها العسكري ومن قدرتها على التأثير المباشر في الوقائع على الأرض. وفي المقابل يحاول لبنان نقل النقاش من ميزان القوة إلى مرجعية القانون الدولي ووقف إطلاق النار والسيادة الوطنية.
لكن المشكلة أن أي مفاوضات لا تنطلق من مفهوم موحد للسيادة ووقف إطلاق النار تبقى معرضة للتعثر. فإذا كان أحد الأطراف يعتبر أن له حق استخدام القوة داخل أراضي الطرف الآخر أثناء التفاوض، بينما يعتبر الطرف المقابل أن هذا الفعل يشكل اعتداءً وانتهاكاً للسيادة، فإن الخلاف يصبح خلافاً على قواعد اللعبة نفسها لا على نتائجها فقط.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم سبب تعثر النقاشات. فالنزاع لم يعد محصوراً بمسألة الانسحاب أو الحدود أو السلاح، بل أصبح نزاعاً على المرجعية القانونية التي يجب أن تحكم هذه الملفات جميعاً.
أما الولايات المتحدة فتجد نفسها أمام معادلة دقيقة. فهي تدعم استمرار المفاوضات وتصفها بفرصة تاريخية، لكنها في الوقت نفسه تواجه صعوبة في إقناع الطرفين بمرجعية واحدة للمرحلة المقبلة. لذلك يبدو أن واشنطن تركز حالياً على إبقاء الحوار قائماً أكثر من تركيزها على فرض تسوية فورية للخلافات الجوهرية.
واستراتيجياً، فإن أخطر ما قد ينتج عن هذه المرحلة هو تحول المفاوضات إلى مسار موازٍ لاستمرار العمليات العسكرية. ففي هذه الحالة قد يصبح التفاوض أداة لإدارة النزاع لا لحله، وقد تتحول الطاولة السياسية إلى غطاء لاستمرار الوقائع الميدانية بدلاً من تغييرها.
لذلك فإن نجاح أي مسار تفاوضي مستقبلي يتطلب توافر ثلاثة شروط متلازمة:
أولاً، الاتفاق على مفهوم واحد لوقف إطلاق النار يطبق على جميع الأطراف دون استثناء.
ثانياً، الاعتراف العملي بأن سيادة الدول لا يمكن أن تخضع لتفسيرات أمنية أحادية الجانب.
ثالثاً، اعتماد القانون الدولي مرجعية مشتركة لتفسير الحقوق والواجبات بدلاً من تركها رهينة موازين القوة.
ومن دون هذه الشروط ستبقى المفاوضات تدور حول النزاع بدلاً من أن تتجه نحو حله.
أما على المدى القريب، فإن المعطيات المتوافرة لا تشير إلى اختراق حاسم، بل إلى استمرار مرحلة “اللاحرب واللاسلم”، حيث تتواصل المفاوضات تحت النار، ويتواصل إطلاق النار تحت سقف المفاوضات. وهي معادلة قد تطيل عمر الأزمة لكنها لا تبدو حتى الآن قادرة على إنتاج سلام مستقر أو تسوية نهائية.
